حينما يكون محمود درويش على مائدة المليشياويين!

 تامر المصري.

 لأنهم مليشياويون بامتياز, وانفصاليون برسم انقلابهم الدموي الرخيص, وانعزاليون ظلاميون أجادوا لعبة القتل, وأجازوا وجوبها الشرعي, هذرا ومذرا, ليدفعوا بالأسباب التي تبيح لهم استمراريتهم في سفاحهم الدموي الحرام, ضد ذوي القربى, لأن الآخرين ليسوا على سكة جموحهم الاستشكالي السقيم, في مقاربات الأولين الإخوانية السياسية والدينية المخضوضة, فإنهم يرون الناس بنصف عين واحدة, من وراء لثام, يختبئ وراءه حتما؛ قاتل محتال. ولأنهم مليشياويون؛ ازدهرت في عهدهم تجارة القتل, المحمي بالقانون والنصوص القرآنية المجتزأة, والمختطفة في ذات الوقت, في بيانات التبرير التي تؤسس لثقافة الاستسهال بأرواح الناس, ومعتقداتهم الفكرية, وميولهم السياسية, قمعا وبطشا وترهيبا. فإنه ليس غريبا, أن يكون الشاعر العربي الكبير, محمود درويش "رحمه الله", وجبة سائغة على موائد الذم والقدح والشتم والتقريع, في منتدياتهم الفكرية المغلقة, في أزقة الشبكة العنكبوتية وزواياها المعتمة, مشفوعا تهجمهم بحملة تكفير وتعهير, تختزل فارس الشعراء, في وصف ضيق, يليق بإمارة حماس الأخدودية, في قطاع غزة, كأن يقال عنه أنه رجل مرتد أو زنديق. قل فرق, المهم, أنها الفرصة المناسبة, لحساب رجل لم يستطيعوا النيل منه حيا؛ شعرا ونثرا, فحاسبوه ميتا؛ شتما وقبحا, على قصيدة رد بها على انقلابهم الطائش, في تلاوته الرائعة, أنت منذ الآن غيرك
إنها غطرسة الوضيع ودونية المتعالي, أن تجتهد محافل حركة حماس السرية, في محاولة انترنتية عابثة, لمحاكمة محمود درويش دينيا ووطنيا, في قالب فكري أسود, يسعى لتأصيل شرعي, ينتهي إلى ما معناه: مات درويش المرتد دون أن يُقام الحد عليه. فالجماعة المرتبكون قطعا, يرون في مسطرتهم السقيمة للقياس, ميزان ذهب حساس, كأداة العمل وعنوانه المبتدأ, الذي يُفصل تُهما, ويوغل في إلصاق التوصيفات بغير أهلها, لتثبيت الجزاء والحكم بعد حين. تلك هي معايير فسطاط الرحمن, في مجابهة فسطاط الشيطان.
وعن حكاية الفسطاطين نفسهما, فإنهما التأصيل الحمساوي الشرعي أيضا, المقتبس تصنيفا عن محوري الشر والخير, الذين أعلن عنهما المجرم جورج بوش قبل ست سنين. وما بين الفسطاطين الحمساويين, والمحورين الأمريكيين, لقاءات ومصافحات وتفاهمات على مسافة النصف الواحدة, تقاطعها العراق المحتل, بين الشيطان الأمريكي الأكبر, وفق توصيف زعامات فسطاط الرحمن الفارسي, الذي أجرته حماس سنة رسول الله, وعرض السيدة عائشة رضي الله عنها بأثر رجعي, وبين الثائر الخميني الأعظم, وفق أبجديات الفهم المتاح, لنفس أهل فسطاط الرحمن المصاغ في مدينة قم الإيرانية, والمطبق في إمارة الأخدود الحمساوية. هكذا هي المعادلة, وهكذا يجب أن يكون القياس, لا كما يقيسون, لأن التطاول في هذا المقام على محمود درويش, شاعرا وأديبا وإنسانا, وإيجاز عملاق في رجل.
سمعت من البعض, أن منتديات حركة حماس الالكترونية, تناولت عن غير شفقة, الشاعر الكبير محمود درويش, بما لم يقله أحد في أحد, سيما إذا كان الأحد الأخير من طراز إنساني وأدبي رفيع, كالشاعر الكبير محمود درويش. وقيل أنهم يدلون بفتاواهم, إنكارا على الراحل لأن يُصبغ بصفة المرحوم, فقلت لعلها فرية من مخاض التناحر المقيت, الذي صنعته حماس, ولعل الأخوة المليشياويين القتلة, قد جرى التجني عليهم هذه المرة فتحاويا, في واقعة كيدية ليست في محلها. سيما أن الأخبار التي ترد من غزة تؤكد أن مجموع المليشياويين مشغولون حاليا, في حماية التهدئة مع دولة الاحتلال ويتناوبون المرابطة, على الحدود والتخوم, منعا لأي خائن وطني, من خرق التهدئة وإزعاج إسرائيل. فآثرت الدخول إلى ما يسمى بشبكة فلسطين للحوار ومنتديات غلمانها, تلك التي تُعد منارة حماس العنكبوتية الفكرية, كما أنها جديرة بالتعليق, ما دام بعض عمارها, أعضاء في المجلس التشريعي عن كتلة حماس, وخطباء مساجد ومدرسين جامعيين, وعاملين في مكتب رئيس الوزراء المقال. لأجد خلاصة الجهل والعنجهية والتباطؤ الفكري في تلقي الآخر واستيعابه, ولأجد أيضا الشاعر محمود درويش على مائدة المليشياويين, وقد أحدث ربكة في وعيهم, تعليقا على رسالة النعي الباهتة والضعيفة, التي أرسل بها كبيرهم الذي علمهم الفكر, خالد مشعل, معزيا على استحياء قائلا "الشعب الفلسطيني الذي أنجب درويش قادر على إنجاب غيره". إذ انقسم غلمان فسطاط الرحمن إلى فسطاطين آخرين أيضا, الأول يرفض النعي جملة تفصيلا, ويؤكد أنه انزلاق في العقيدة, سيما أن حماس قد نعت سابقا جورج حبش "رحمه الله" وباب الفاتيكان, وهو أمر مرفوض لديهم وعلى ذمتهم الواسعة أيضا, وزادت الطين بلة على حد زعمهم حاليا, بنعي الحركة لمحمود درويش, وهو وفق الوصف, الشيوعي والمرتد والكافر بشعره, لم تتناول كتاباته وقصائده سوى الكفر والإلحاد, هكذا قالوا!, فيما الفسطاط الآخر يقول أن النعي خطأ وليس خطيئة, مستدلا بذلك على أن مشعل لم يصف الراحل محمود درويش بالمرحوم, ولم يطلب له الرحمة, إقرارا بردة الراحل الكبير, ليبقى النعي من مكرهات السياسة.
لتبدأ الحفلة التنكرية الصاخبة, التي أقامها مليشياويو المنتدى وبأسماء تنكرية, تبدأ من المجاهد الدبوس وتنتهي برفيقه الفانوس, أكلا في لحم ميت, بشماتة تنتهي حتى التهام أظافره. وهنا نتساءل؛ ما الفرق في نعي مشعل من عدمه, أمام قامة محمود درويش الباسقة كنخيل بغداد؟ وهل يقتضي نعي باهت أصلا, كل هذا الضجر والتحقيق في أصوله الشرعية, والتعليق المسخ, ليفرغ النعي من مضمونه الإنساني؟ ولماذا لم تقم قائمتهم حينما تمسمر مشعل أمام قبر آية الله الخميني, ليقول أن حماس هي الابن الشرعي للإمام الخميني؟ دون أن ندري من أي نوع من الأمهات جاءت, شرعية أم عابرة سرير في ليلة متعة منقضية؟ وهل محمود درويش الذي كان يشعل الحماسة في احتفالات جمهوريات وممالك فروع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الخارج, ليجعل كل الطلاب على مختلف ميولهم السياسية, يتوحدون في السماع والإصغاء لأشعار الراحل الكبير التي كانت ترددها الحناجر, بحاجة إلى نعي حماس أصلا؟ أم أنها غطرسة الوضيع ودونية المتعالي, كما قال في رائعته, أنت منذ الآن غيرك؟
يذكرني حال سؤال غلمان منتديات حماس, عن جواز الترحم على الراحل الكبير محمود درويش, بسؤال أهل الكوفة لعبد الله ابن عمر, عن دم البعوض إذا ما أصاب الثوب, فاستغرب منهم قائلا: تسألون عن دم البعوض وقد قتلتم ابن بنت رسول الله, عليه الصلاة والسلام, ويقصد الحسين رضي الله عنه. فليتهم راجعوا أنفسهم فكريا, وصخبوا بينهم عنكبوتيا, وبتلك الأسماء المستعارة أيضا, وفي غير حفلة تنكرية, ليقولوا؛ حرام ما يراق من دماء على أرض غزة, وحرام تلك الفضولية المسلحة, في حرية الناس وخصوصياتهم, وحرام ذاك الإصغاء لفتاوى رد الفعل السياسي المقيت. ليتهم قالوا ذلك, أو ناقشوه بينهم, حتى لو تفسططوا إلى مئة فسطاط, ليفضوا بكلمة حق في زمنهم الباطل.
لم يعد لمحمود درويش في هذه الدنيا, سوى الذكرى الحسنة, والدعاء له منا بالرحمة والمغفرة والرضوان, ليبقى أكبر من زبانية الشيطان, وأزلام السلطان, وعموم الإخوان. وليبقى الوطن أكبر بكثير من كل الأشخاص والرموز, ومن كل مليشياوي يعيش في إمارة الأخدود.

* الكاتب باحث فلسطيني.