رؤية وسط اختلاط الهستيري

يحيى رباح

بصراحة، نحن فلسطينيا، واقعون كضحايا بالمطلق في مرحلة اختلال، على الصعيدين الإقليمي والدولي، نصرخ في وجوه بعضنا بقسوة غير عادية، وبنوع أقرب إلى الجنون، مع اننا ندرك ان كل هذا الصراخ لا يجدي، وان كل هذا الاندفاع الجنوني إلى الأمام في اشتباكنا الداخلي لا يجدي نفعاً، ولقد كان الأمل ان يتوصل الفلسطينيون إلى معادلة داخلية محبوكة يواجهون بها الاستحقاقات المقبلة، ولكن مع الأسف الشديد، فإن الفشل كان هو الإغراء الأكبر، وان الأوهام والرهانات الشاطحة كانت هي الطريق الأسهل، ولذلك فنحن نرى ونسمع هذا الاندفاع المحموم، وهذا الصراخ الهستيري، ولكن لا نتائج. هل فات الوقت؟
لا... لم يفت الوقت، لان، تأثير الإقليمية والدولية التي تسمع صراخنا الهستيري، وترى مشاهد تدمير الذات، وبعضها سعيد جداً بما يرى ويسمع، ولكن جميع هذه القوى مشغولة عنا بإعادة صياغة الأدوار في معادلة جديدة، معادلة لنظام دولي يتقلص فيه إلى حد كبير، تأثير أحادية القطبية دون ان تتلاشى هذه الأحادية تماما، وتعاد فيه صياغة الهياكل الاقتصادية والمالية دون ان تتهاوى قاعدة الاقتصاد الحر، ويجري العمل فيه على إطفاء العديد من بؤر التوتر ولكن بمقايضات ضخمة بين الكبار والذين يمتلكون في أيديهم أوراقا كثيرة.
ورقتنا الوحيدة التي نملكها فلسطينيا، أن القضية الفلسطينية مهمة جدا حتى لو تم إزاحتها إلى ذيل القائمة كما فعلت إدارة جورج دبل يو بوش في الأربع سنوات الأولى، حيث قضيتنا تحتوي على قدر كبير من التداخل والتدخل، وهي تغذي العنف وتعطيه جرعات شرعية، وهي تستخدم بشكل كارثي بين لحظة وأخرى!!! وهذا كله واقع موضوعي لا يمكن إنكاره، وفكرة إطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة منطلقة في الأساس من رؤية الفلسطينيين انفسهم ورغبتهم في ان يديروا هم هذه التفاعلات المتعلقة بقضيتهم، وان يحصدوا النتائج الايجابية، والنتيجة الايجابية الوحيدة للفلسطينيين هي إعادة انبعاث الكيانية الفلسطينية، الدولة الفلسطينية، وما عدا ذلك فكله سراب يصنعه الآخرون ويراد لنا ان نلحق به فنتوه في الصحراء!!!
والذين يقولون ان قيام الثورة الفلسطينية، ووصولا لمنظمة لان تكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هو تجريد القضية من عمقها العربي والإسلامي، يعرفون انهم يكذبون على انفسهم وعلى شعبهم أيضا، لانه دون ان يكون الفلسطينيون هم العنوان الأول لقضيتهم، وهم الفاعل الأول في قضيتهم، فانهم يتخلون عن دورهم وينتقلون إلى دور المستخدم الذي يحترق دون ان يعرف لمصلحة من تم هذا الاحتراق، ، ، في انتظار الاستحقاقات الأجنحة الإسرائيلية سوف تتنافس في إهدار دمنا، والتهدئة من وجهة نظر الاسرائيليين تزداد ضآلة في مفهومها، حيث إسرائيل تريدها تهدئة أمنية فقط دون ان يترتب عليها أية نتائج أخرى مثل إنهاء الحصار.
وعلى الجانب الإقليمي: فان الصراع القائم على حشد المزيد من الأوراق لتقديمها بين يدي الاستحقاقات المقبلة هو سيد الموقف، وكل ذلك ينعكس سلبا على ساحتنا بحيث ان الانقسام يتحول فعليا إلى انفصال، وهذا الانفصال بوابة مفتوحة على الجحيم.
ما هي الرؤية؟؟؟ ليس أمامنا سوى السيطرة على هذه الرغبات المفلوتة في تدمير الذات، وان تقوم القيادات الأكثر نضجا بكبت عناصر التفجير الداخلي، وعدم التورط في خطوات أكثر جنونا مثل المساس بشرعية الرئيس، أو إعلان قطاع غزة إقليما متمردا، أو الاستمرار في خطوات الاعتقال والانتقام أو مواصلة الانحدار في هذا التراشق الإعلامي الهابط، واتخاذ قرار بإخلاء الطريق أمام الحوار الوطني والمصالحة.
هذا هو الاختبار وعلينا فلسطينيا ان ننجح فيه