أسباب نجاح أوباما ودلالاته

د. بشير موسى نافع

في مقابلة لها مع الـ'بي بي سي' الثانية، قالت الروائية الأمريكية السوداء، الحاملة لجائزة نوبل للآداب، توني موريسون، إن نجاح المرشح الأفرو- أمريكي باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية سيمثل 'انتصاراً أخلاقياً لأمريكا البيضاء'.
وهذا بالتأكيد هو الوجه الآخر لانتخابات الرئاسة الأمريكية، الوجه الذي لا يبدو أن كثيرين يريدون رؤيته: أن أمريكا البيضاء، أو قطاعاً ملموساً منها على الأقل، قد تغلب أخيراً على وساوسه وتحيزاته وميراثه العنصري الطويل، وأعطى صوته لمرشح من أب أفريقي مسلم، لم يولد في الولايات المتحدة ولم يمت فيها. لم يكن مستغرباً أن يعطي الناخبون السود أغلبية أصواتهم الساحقة لأوباما، ولا أن يصوت له معظم ذوي الأصول المكسيكية واللاتينية، وأن يغض الناخبون الأمريكيون العرب والمسلمون النظر عن صمته عندما وجهت الآلة الانتخابية الجمهورية الإهانات العنصرية من كل صنف للعرب والمسلمين، ويمنحوه أصواتهم بلا تحفظ. أن تذهب أصوات هؤلاء لابن المهاجر الكيني والمرأة البيضاء، التي أفنت حياتها في خدمة أبناء الأرياف الأندونيسية، هو أمر متوقع، فهو في النهاية مرشح على صورتهم، حتى إن لم يستطع أن يقول ذلك صراحة، أو أن يسلك كذلك في فترته الرئاسية.
على نحو ما، هذه الدولة/ القارة، هذه القوة العظمى، التي بنيت على التوسع بالسلاح والغزو وإبادة السكان الأصليين، والتي بنيت قواعد اقتصادها بجهود ملايين الأرقاء السود، هي دولة العرق الأبيض. رأى المهاجرون البروتستانت الاوروبيون الأوائل في أمريكا خلاصاً أرضياً من شرور القارة الأم، من ظلمها الطبقي وحروبها الدينية، وافتقادها الرحمة والأمن، خلاصاً منحه لهم الرب في عليائه ليقيموا عليها مملكته. وطوال أكثر من ثلاثة قرون بعد وصول الرجل الأبيض إلى شواطئ العالم الجديد، تداخل العنف الاستئصالي بالقراءة التوراتية للكتاب المقدس بعلمانية تنويرية جديدة، لتصنع معاً دولة لا مثيل لها على سطح هذا الكوكب البائس، ولا تشبه أية دولة أخرى في التاريخ الإنساني: دولة من العنف والتفاؤل والتدين والعنصرية والثقة الفائقة بالنفس والقدرة الهائلة على الإبداع وتجديد الذات. أمريكا هذه، أمريكا التي أرادها الآباء المؤسسون في خضم حرب الاستقلال عن التاج البريطاني مجالاً للحرية والمساواة والعمل الإنساني، كانت أمريكا البيضاء، وليس أمريكا المجتمع البشري متعدد الأعراق. وبعد زهاء القرن على إعلان الاستقلال والدستور الأمريكيين، كان من تبقى حياً من السكان الأصليين ما زالوا يفقدون أرضهم ويطردون إلى المستعمرات الفقيرة والمهجورة، حيث يفترسهم الجوع والمرض والإدمان. وكانت أغلبية السكان السود، الذين انتزعوا من على سواحل إفريقيا الغربية بقوة السلاح للعمل في مزارع التبغ، ما زالت مستعبدة.
قانون التحرير من العبودية، والحرب الأهلية التي تلت انشقاق الولايات الجنوبية عن الشمال في ستينات القرن التاسع عشر، لم يضعا نهاية لعلاقات الاستعباد والتمييز والاضطهاد العنصري. وفي 1964، عندما وقع الرئيس جونسون قانون الحقوق المدنية، لم يكن أكثر من سبعة بالمائة من السكان السود مسجلين في جداول الانتخابات. خلال العقود التالية، بالطبع، انخرط الأمريكيون السود بأعداد متزايدة في الحياة السياسية، أصبحوا نواباً وأعضاء في مجلس الشيوخ، بل واحتل أمريكي أسود منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة، ثم أصبح وزيراً للخارجية، ولكن أحداً لم يتصور أن يصل أي من الأفارقة الأمريكيين إلى البيت الأبيض. ثمة نظريات متضاربة، داخل أمريكا وخارجها، تحاول تفسير الانتصار التاريخي لباراك أوباما، تبدأ من العقلاني والحسابات الباردة ولا تقف عند التآمري والصفقات الخفية. ولكن ما لا يجب أن يكون محلاً للجدل أن نتيجة هذه الانتخابات مثلت انتصار أمريكا البيضاء على ميراثها العنصري الثقيل، انتصار الإنسان على مخاوفه وكوابيسه وتمركزه الأعمى على الذات. فوز أوباما، بالطبع، ليس نهاية الطريق للتمييز العنصري والاضطهاد، بل هو على الأرجح خطوة أخرى كبيرة على الطريق. وربما ينعكس هذا الفوز على مجمل المناخ العالمي، الذي تسببت أحداث ايلول/سبتمبر 2001 وسياسة الحرب على الأرهاب في تسميمه، سيما في ما يتعلق بالأقليات العربية والإسلامية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
من جهة أخرى، يمكن رؤية فوز المرشح الديمقراطي من زاوية الكاريزما الهائلة التي يتمتع بها أوباما، من زاوية إخفاق منافسه، جون ماكين، في تعهد حملة انتخابية ذات معنى، ومن زاوية الأزمة المالية/ الاقتصادية، التي أوقعت المعسكر الجمهوري في حالة من فقدان التوازن قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات. كل هذه العوامل اجتمعت بلا شك لتساعد على تحقيق النتيجة التي انتهت إليها انتخابات الرئاسة ومجلسي الكونغرس. ولكن هذه النتيجة لا بد أن ترى أساساً في ضوء متغير أبعد من ذلك وأعمق، متغير يتعلق ببنية السياسة الأمريكية وقواها الرئيسة. فمنذ مطلع السبعينات، يسيطر على السياسة الأمريكية معسكر سياسي وثقافي - اجتماعي واقتصادي محافظ، تجسد في إعادة بناء الحزب الجمهوري، ليضم تحالفاً من اليمين الايديولوجي، اليمين الاقتصادي واليمين الديني، أو ما أطلق عليه مؤدلجو الحزب الجمهوري في صيغته الجديدة الأغلبية المحافظة. تجلت هذه السيطرة بنجاح نيكسون في انتخابات 1972 الرئاسية، ووصلت ذروتها خلال ولايتي ريغان. في صورة من الصور، مثلت رئاستا كارتر وكلينتون استثناء قصيراً؛ بل إن جذور الاثنين الجنوبية، ومحافظة كارتر الاجتماعية وانحياز كلينتون لاقتصاد السوق في صورته الليبرالية الجديدة، تجعلهما استثناء بالمعنى الحزبي وليس بالمعنى الايديولوجي الضيق. كما أنهما واجها مجلسي كونغرس جمهوريين إلى حد كبير. وبالرغم من أن والده كان رئيساً جمهورياً، فقد نظر جورج بوش الابن إلى نفسه كوريث لريغان، ساعياً إلى أن تصبح رئاسته استمراراً لعهد الذروة المحافظة وتجلياً جديداً لها.
بيد أن التاريخ سينظر إلى عهد بوش الابن باعتباره نهاية حقبة السيطرة اليمينية، والعهد الذي شهد انهيار الأغلبية المحافظة. أخذت عوامل النهاية في الترسب منذ أكثر من عقدين، ولكن بعضاً من سياسات بوش الداخلية ومغامراته الخارجية عملت على الإسراع في هذه النهاية. خلال السنوات الثماني لإدارتي بوش ارتفع الدين الأمريكي العام من 6 إلى 10 تريليونات دولار؛ وانتقلت الميزانية الفيدرالية من خانة الفائض إلى خانة العجز المتصاعد؛ وارتفع سعر برميل النفط من 32 إلى أكثر من مائة دولار؛ وانتقل العالم من حالة سلم نسبي إلى حرب دائمة في أكثر من مكان؛ وتدهور الاقتصاد الأمريكي من نمو سنوي بلغ 3 بالمائة إلى الانكماش الاقتصادي. وباندلاع الأزمة المالية/ الاقتصادية، يزداد عدد العاطلين عن العمل يومياً. ثقة الأمريكيين بدولتهم ومؤسساتهم السياسية وصواب توجههم الداخلي والخارجي تراجعت بمعدلات دراماتيكية، ورؤية العالم للولايات المتحدة وصلت درجة من السلبية لم تعرف منذ حرب فيتنام. مثل هذا المناخ أفسح المجال لفكرة التغيير الشامل، ودفع بالمرشح غير المحتمل إلى النصر الانتخابي غير المسبوق. طوال أكثر من أربعة عقود لم يكن باستطاعة مرشح للرئاسة أن يتحدث عن ضرائب تصاعدية في أمريكا، بغض النظر عن نواياه الحقيقية أو عن حالة الاقتصاد. أوباما انتصر والرأي العام الأمريكي يدرك بوضوح لا لبس فيه أن إدارته ستلجأ إلى فرض ضرائب تصاعدية على كل أصحاب الدخل فوق المتوسط. وفي حين اعتقد المرشح الجمهوري أن عليه الالتزام بلغة القوة والتهديد التي ارتكزت إليها سياسة بوش الخارجية، فاز أوباما بالرئاسة وهو يعد باعتماد المقاربة الدبلوماسية لمعالجة الملف النووي الإيراني. بهذا المعنى، ينبغي رؤية نجاح أوباما باعتباره انعكاساً لتيار تغييري كبير في البنية السياسية الأمريكية وليس صانعاً له.
وكما كان الانحراف نحو اليمين شرطاً ضرورياً لوصول كلينتون إلى البيت الأبيض وبلير إلى رئاسة الوزارة البريطانية، فسيكون الانحراف نحو اليسار في المستقبل المنظور شرطاً ضرورياً لنجاح أي مرشح جمهوري أو محافظ.
المسألة الثالثة التي يثيرها انتخاب أوباما تتعلق بالطبع بسياسته الخارجية، وسياسته الشرق الأوسطية على وجه الخصوص. وليس ثمة شك أن الخلفية الخاصة جداً لباراك أوباما أطلقت عاصفة من التفاؤل عبر العالم أجمع، تفاؤل بأن يقوم الرئيس الأمريكي الجديد بمصالحة أمريكا مع العالم من حولها، بعد سبع سنوات من الغزو والحرب والتعذيب والسجون السرية والسياسات الانفرادية والاستهانة بالرأي العام العالمي. ولأن المشرق العربي ـ الإسلامي كان الساحة الأولية التي ألقيت على عاتق شعوبها الأعباء الأثقل وطأة لسياسة إدارة بوش الابن، فإن شعوب هذه المنطقة هم الأكثر تعلقاً بآمال التغيير في السياسة الأمريكية الخارجية. الحقيقة أن أحداً لا يمكنه الآن تقدير الجوانب التفصيلية لسياسة إدارة أوباما الخارجية؛ ولأن الشعب الأمريكي عادة أقل اكتراثاً بوعود المرشحين في الحقل الخارجي، فإن قلة من الرؤساء الأمريكيين التزموا التزاماً صارماً بوعودهم الانتخابية المتعلقة بهذا الحقل.
ما يمكن التأكد منه في هذه المرحلة المبكرة، أن إدارة أوباما ستكون أحرص على التزام الطرق الدبلوماسية منها إلى المغامرات العسكرية؛ ستكون أحرص على بناء تحالفاتها الأوروبية وتحالفاتها عبر العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، منها إلى التفرد وفرض الإرادة؛ وستكون أحرص على أخذ تحولات القوة والاقتصاد في الساحة الدولية في الاعتبار، منها إلى اتباع سياسة المواجهات غير المحسوبة.
بغير ذلك، فربما سيكون من الخطل المراهنة على انسحاب أمريكي سريع من العراق، أو مجرد محاولة لتحسين صورة الاحتلال؛ تصعيد الحرب في أفغانستان، أو اعتماد مقاربة تفاوضية جدية مع طالبان؛ وتعامل أكثر توازناً وعدلاً مع القضية الفلسطينية، أو استمرار سياسة الالتزام التقليدي بالموقف الإسرائيلي. وهو ما يستدعي بالضرورة خفض مستوى التفاؤل العربي، وتذكر المبادئ الأولية للسياسة الدولية، التي ترتكز إلى موازين القوى، لا التعاطف المجاني. أما إن كان أوباما سينجح في التعامل مع التحديات التي تواجه القوة الأمريكية في قطاعي المال والاقتصاد، في الحيوية الروسية الجديدة، في الصعود الصيني المطرد، في ملفي إيران وكوريا النوويين ... إلخ، فسؤال ليس له بالضرورة علاقة بالمعنى الرمزي الكبير الذي يحمله نجاحه الانتخابي.

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث