عن المهرجان المحظور

عدلي صادق

  كان متوقعاً، أن تُلقي حماس بكل ثقلها الميليشيوي، لكي تمنع المواطنين في قطاع غزة، من اقامة مهرجانهم، لاحياء الذكرى الرابعة، لاستشهاد القائد الرمز ياسر عرفات. وللدقة، لم يكن تطير حماس من المهرجان، موقفاً من الفارس الراحل، الذي قضى بطلاً رافضاً للتسوية الهزيلة، بقدر ما كان توجساً من الحجم الشعبي الهائل، الذي لن تستطيع كاميرا الجزيرة وسواها، أن تتجاهله. فقد رأى الحمساويون في المناسبة، صندوق انتخابات فاغراً فاه، أو استفتاءً لا يحتاج الى من يعد الأوراق فيه. وكما الاستفتاءات كلها، تجتمع عناصر شتى، لكي تحسم الأمر، فتكون مخازي وجرائم الخاسر وخيلاؤه وفساده، نصيرة الفائز. وحين يتعلق الأمر بقطاع غزة، لن يضيع المليون انسان في الحسبة، اذا أتيح لهم أن يذهبوا الى مكان المهرجان. ففي العام الماضي، قُطعت الطرق لمنع الناس من الوصول الى المهرجان، وتلقى أصحاب الحافلات التهديدات الفظة، لكي لا يحركوا حافلاتهم، وانتقل الكثيرون على عربات الكارو، فمنهم من وصل، ومنهم من تأذى أو قتل، مثلما حدث مع الفتى من عائلة قديح. فالمهرجان المليوني، يُعلن نتيجة الاستفتاء بالفوز الكاسح، للحركة الوطنية الفلسطينية، ولخط الشهيد ياسر عرفات، الشخصية التي اختزلت الممكن الفلسطيني، مثلما اختزلت المستحيل الفلسطيني!
* * *
لو كان العاقلون من حماس متنفذين، لاستثمروا مناخات المصالحة، التي يعرقلها المعتوهون المتخوفون من الحقيقة ومن المستقبل؛ وتحدثوا بلغة أخرى، داعين الى مهرجان فلسطيني شامل، لاحياء ذكرى الشهيد ياسر عرفات، تحت عنوان أن الرجل، قضى ممانعاً ومقاوماً، وأنه يمثل قاسماً مشتركاً، بين الجميع. فلم تكن في حياته، هدنة تطلق النار على من يكسرها، ولا هدنة معلنة، لا يُحرك نقيضها المقاوم، رداً على تطرف العدو وجرائمه!
فلو كانوا قد استثمروا مناخات المصالحة، وكفوا أيديهم عن شباب حركة فتح في غزة، ودعوا الى مهرجان لتكريم زعيم فلسطيني تاريخي، وشاركوا فيه، لتحققت لهم أفضل فرص الهرب من الحرج الذي ستسببه لهم الجموع المتحفزة للاعلان عن وفائها لحركتها الوطنية، ولتراثها الكفاحي، ولرمزها الشهيد!
لكن المعتوهين اختاروا طريقاً آخر، هو أكثر شبهاً بما هم عليه الآن، دونما اكتراث لحُرمة ذكرى بكل هذا الفحوى، فأكدوا، مرة أخرى، أنهم غير معنيين بمصالحة أو بمشاركة، اللهم الا ان وافقتهم الناس على مبدأ عفا الله عما سَلف، وعفا الله ـ مقدماً ـ عما هو آتٍ!
* * *
الرئيس عباس، في كلمته أمام مهرجان رام الله، لم يتلفظ بكلمة غير ذات مدلول أو تشخيص سياسي. الرجل نصح وفسر وأكد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لاعادة اللحمة. وعندما أثقل عليه تجهيل الفاعل، اضطر الى ذكر حماس بالاسم، ولم يخون أحداً، ونها عن ارسال الاتهامات جزافاً، وعارض علناً الهتافات الجارحة. ومع ذلك كله، خرج ناطقون باسم حماس، يتحدثون عن هجوم وعن اساءة، وزَعَم أحد المتأنقين منهم، أن الرجل لم يتحدث كرئيس للشعب الفلسطيني، علماً ان تحسسه لمسؤولية التمثيل الشامل، هي ـ تحديداً ـ التي جعلته يتحاشى الافاضة، في توصيف السلوك الحمساوي اليومي، حيال جماهير حركة فتح وقواعدها!
يتبقى القول ان مهرجان غزة المحظور، ما زال قادراً على جمع معظم سكان قطاع غزة، ولن يتخلف عنه، الا عاجز أو قاصر، أو ممتشق لبندقية مأزومة، أو متربح أنفاق، يعلم الناس ماذا كان يملك، وماذا بات يملك بعد "التغيير والاصلاح". لكن هؤلاء، لا يصلحون لكتابة حرف من حكاية الحرية، ولا حرف من الاصلاح، ولا جملة من قصة طويلة، مؤداها تمسك هذا الشعب الصابر بكرامته