ســــــقوط الأجنــــــدات
عبد الشافي صيام ( العسقلاني )
هذا الزمن ..
إنه زمن السقوط والتهاوي ، وزمن انهيار الصوامع وجفاف ينابيع القيم ، وهو زمن الفجيعة الإنسانية .
لن أبدأ من بعيد ، ولن أدخل محاريب الكلام ، ولن ألجأ لنظريات الفقه السياسي ومعاجم الأيدلوجيات ، لن أفعل شيئا من ذلك لعلمي بأن الناس قد ملَّت من فلسفات التنظير والتحليل ، وعبارات البعد الرابع والخامس والسادس للتحوّل السياسي الذي يشهده ويعيشه العالم .
لذلك سأكتفي بالوقوف مُجرَّداً من كل زيف ، سأقف بباب الحارة أُردِّدُ كلام الأجداد والآباء والجدات ، وأقلّبُ الرزنامة الوطنية بأحداثها الماثلة في الذاكرة الفلسطينية .. عن حكايات "عام الطاعون" و "عام الجراد" و "عام الكوليرا" و "أيام السفربلّك" ، وأستعيد ما تختزنه هذه الذاكرة من تعابير .. "المَجيدي" و "البشلك" و "الطورة " و "العرام" و "الشبر " و "الفتر" . لنخرج من هذا الضياع الغارقين فيه باسم الحضارة والتقدم والعولمة والمدنية والتعدديّـة .. والوطنية والمصير العربي المشترك ، وأمجاد يا عرب أمجاد ، ورافعي يافطات "بخور الصالحين" وهم المُشَبَّعون بروائح المواخير .
فجميع "الواقيات" التي كنا نتسلح بها يبدو أنها "مثقوبة" ، ولا تقي من خطر المجهول والقادم الغامض .
فـ "الواقي الفلسطيني" تمزَّق باستشهاد الرئيس ياسر عرفات رحمه الله ، وأتى على آخره بما أقدمت عليه حركة حماس في صيف 2007 في قطاع من استيلاء على السلطة ودون أن تقدم ما يمكن إضافته للنضال الفلسطيني غير إضافة سلبيات جديدة تـُعزِّز رصيد سلبيات تجربة أوسلو ، التي ما كانت ولن تكون أكثر من اجتهاد أضر بالنضال الفلسطيني ، ولا بد من محاسبة أصحاب هذا الاجتهاد بعد تراكم سلبياته التي أعطت إسرائيل ما كانت تحلم به طوال سنوات وجودها غير الشرعي الغاصب ، وفتحت لها أبواب العالم العربي والإسلامي وكثير من دول العالم لتبتز منا شرعيَّةَ وجودها وتنزعَ عنا حق وجودنا .
و "الواقي العربي" تحوَّلَ إلى محامٍ يدافع عن شيطان الاحتلال ويتخلى عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية ، لتصبح قضية يتولى الفلسطينيون وقادة أوسلو مسئولياتها ، ولن يكون العرب "أكثر فلسطينية" من الفلسطينيين الذين أصبحت لقاءاتهم أكثر وأسـهل من لقاءاتهم مع أنفسهم ، وحتى لا يتسلق المزايدون على سلم الواقعية وشعارات الممكن فلسنا ضدَّ الحوار ولسنا ضدَّ التفاوض .. لكن أين النتائج وأين الحقائق التي تترجَمُ على الأرض كما تُسَرِّبُ لنا أحلام عشاق السلام و " دبيكة " أنابوليس ؟
هل هو غول الاستيطان والقتل والتدمير والاعتقالات التي ترتفع أعدادها أضعاف ما يتم الإفراج عنهم من أبطال الأسر والاعتقال ؟
هل هو حالة الضعف والانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية ؟
هل هو هذا الأداء السلبي لسلطة الحكم الذاتي التي تتآكل يوماً بعد يوم وتـَحْقنُ العمل الفلسطيني كله بما قد يدمر ما تبقى من القضية الفلسطينية ؟
ولا أدري إن كانت هي الصدفة أو المصادفة فقبل يومين ، وفي مدينة عربية أطلسية ، أوقفت سيارة أجرة "تاكسي" وخلال لحظات سألني السائق عن جنسيتي ، وعندما عرف بأنني فلسطيني رحب بي وتابع ..
إننا قلقون على الوضع في فلسطين بعد انحراف النضال الفلسطيني وتحوله من نضال ضد إسرائيل إلى صراع على المناصب بين "جماعة عباس" وجماعة "حماس" أين قدسية القضية الفلسطينية التي كنا نشعر بها أيام الزعيم الراحل عرفات . أبو عمار كان قائداً وزعيماً عربياً كبيراً .. ونحن كنا وما زلنا نحبه ونحترمه ونعتبره زعيماً للعرب وليس للفلسطينيين وحدهم .
أنظر إلى الوضع العربي الآن وحال الأمة ومستوى الزعامات المؤتمنة على مصيرنا ومستقبل أجيالنا ..
ماذا جرى للعراق بفعل العرب ومساعدة العرب للأمريكان ..؟
أنظر ماذا يجري في السودان والصومال وفي كثير من بلاد العرب .. كل تلك المشاكل والمصائب هي بسبب الأمريكان واليهود وبسبب زعماء العرب المرتبطين بأمريكا وإسرائيل ، ولا تصدق أي كلام غير هذا ..
وأنا أقول لك يا سيدي ، لقد عملت عدة سنوات في شركة بحرية على باخرة لنقل النفط في دولة نفطية كبيرة ( طبعاً ذكر لي اسم الدولة ) وهذه الدولة كانت تزود إسرائيل بالنفط ، وقد عرفت ذلك من زملائي البحارة الآخرين الهنود عندما يعودون من رحلتهم يقولون لي لقد ذهبنا إلى إسرائيل ، إذ كان المسئولون في الشركة يحولونني إلى باخرة أخرى حتى تعود الباخرة المسجل أنا عليها . وطبعاً نسمع وتسمعون في الأخبار مواقف هذه الدولة المؤيدة لفلسطين والتي لا تعترف بإسرائيل .
هذه هي الحقيقة التي عليكم أن تدركوها .. وتتداركوا واقعكم وأنه بدون قيادة فلسطينية وطنية مخلصة فإن حال القضية في خطر إذا استمر الحال كما هو عليه الآن فستجدون أنفسكم في صراعات بينكم .. عليكم اختيار قيادة جديدة بعيدة عن السلطة وبعيدة عن حماس ، والشعب الفلسطيني شعب عظيم وفيه زعماء كثيرون وقيادات يمكنها قيادة النضال الفلسطيني .
بعد وصولي إلى المكان ودعت الرجل وقلت له لعلنا نلتقي في فلسطين وفي القدس عاصمة الدولة الفلسطينية فذلك هو هدفنا قبل أن يكون أملنا ، وثق أن إخوانك الفلسطينيين الذين قدموا آلاف الشهداء والأسرى هم على درب الجهاد والنضال وسننتصر بعون الله .
ذهب الرجل وبقيت الحكاية لتكشف عورة إلى جانب عورات هذا التاريخ المملوء بالزيف ومواقف الوجوه المستعارة والتي كان المرحوم أبو عمار يعرف حقيقتها .
وكما هو حال "الواقي الفلسطيني" و "الواقي العربي" فحال "الواقي الإسلامي" ليس بعيدا عن واقع الحال ، ولن نسوق أدلة أكثر وضوحا من تصريح السيد رئيس السلطة الفلسطينية الأخير بأن 57 دولة عربية وإسلامية سترفع علم ( إســـرائيل ) على عواصمها إذا نفذت ( إسرائيل ) "المبادرة العربية" وكأن لديه تعهداً والتزاماً من الإسرائيليين بالاعتراف بالمبادرة العربية التي ألغت حق العودة ومسَّتْ بقدسية القضية ، ولم تمض ساعات على نشر هذا الإعلان حتى بادر رئيس الكيان الصهيوني "شمعون بيريز" بالتوجه إلى القاهرة ليلقاه الرئيس المصري حسني مبارك لإبلاغ العرب على موافقة الحكومة الإسرائيلية ( المشروطة ) للمبادرة العربية ، ويبدو أن واقع الحال سـَيـُقدِّمُ عملية رفع الأعلام على تنفيذ المبادرة والالتزام بها ربمـا لعشرين عاماً قادمة !!
وهذا يدعونا للسؤال ...
هل سقطت فعلا ( مجموعة أجندات السلام ) وأعلنت إفلاسها كما تساقطت أجندات المال والاقتصاد العالمي التي اشتعلت النيران في أرقامها التي تصل إلى التريليونات ، ولا ندري كم سيدفع العرب من فاتورة الحرب الاقتصادية بعد مساهمتهم الطيبة في حروب الإرهاب الجليلة ؟
وهل سقطت فعلا حروب حرب الإرهاب التي شنها جنرال السلام بوش كذريعة لاحتلال عدد من الدول لنهبها وسلبها ؟
ما نعتقده أن مناعات كثيرة سقطت ، وأجندات كثيرة بحاجة إلى صياغة جديدة ضمن عملية تغيير واسعة وشاملة لوقف هذا الانهيار الذي نتحلق حوله في رقصة حرب خاسرة .
لم تعد هناك مناعة أو هيبة أو مكانة في مواجهة غطرسة العدو الصهيوني الذي بات يملي على الأمة شروطه بفضل " بَوّيسَةِ " قادة الأمة لخــدود المسئولين الإسرائيليين والأمريكيين كلما " ثقفوهم ، وتوثيق ثقافة " البوبزة " الوطنية بالصور .