الإسلام السياسي في خدمة التوسع الإمبريالي (*)
سمير أمين ترجمة : انتصار العزيزي مراجعة : نزار نيوف
تنادي التيارات التي
تتبنى الإسلام السياسي ، كلها ، بـ"خصوصية الإسلام". وبحسب هذه التيارات فإن
الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة، الأمر الذي يفترض تميزه عن الديانة المسيحية.
ولن يضيرنا تذكير هؤلاء، كما فعلت أنا شخصيا ، بأن ملاحظاتهم منسوخة ، كلمة كلمة
تقريباً، عن ردود الفعل التي شهدتها أوربا في بدايات القرن التاسع عشر (حالة
"بونالد" و "دو ميستير" ، مثلا ) في سياق إدانتها التمزق الذي أنتجته الثورة
الفرنسية و " الأنوار" في تاريخ "الغرب المسيحي" (1 ).وعلى أساس هذا الموقف، فإن كل
تيار من تيارات الإسلام السياسي يختار إدارة صراعه على أرضية الثقافة . هذا ولو أن
" الثقافة" تقلصت في الواقع الفعلي إلى مجرد توكيد مبتذل على الانتماء إلى دين
معين. وفي الحقيقة، فإن مناضلي الإسلام السياسي ليسوا معنيين في الواقع بمناقشة
العقائد التي تشكل الدين. وتقتصر طقوس تأكيد العضوية في المجتمع على حصرية
انشغالهم. ولا تعتبر مثل هذه الرؤية حول واقع العالم الحديث محبطة بسبب الفراغ
الهائل في التفكير بأنها مخفية، بل أيضاً لانها تبرر الإستراتيجية الإمبريالية في
إحلال ما يسمى بصراع الحضارات بين المراكز الإمبريالية وبلدان الأطراف الخاضعة
لهيمنتها. وسمح التركيز الحصري على الثقافة للإسلام السياسي بالتخلص من كافة مناحي
الحياة الإجتماعية الحقيقية التي تؤدي إلى المواجهات بين الطبقات الشعبية والنظام
الرأسمالي العالمي الذي يضطهدها ويستغلها. ولا يملك مجاهدو الإسلام السياسي أي حضور
حقيقي في المجالات التي تأخذ فيها الصراعات الإجتماعية مكانا لها، حيث يكرر قادتهم
أن مثل هذه الصراعات غير مهمة. ويحضر الإسلاميون في هذه المناحي فقط لافتتاح مدارس
ومراكز صحية لا تمثل في واقع الحال سوى عمل خيري أو تعليمي ، وهي ليست وسائل دعم
للطبقات الشعبية الكادحة في مواجهة النظام المسؤول عن فقرهم.وعلى أرضية القضايا
الإجتماعية الحقيقية يضع الإسلام السياسي نفسه في معسكر الرأسمالية التابعة
والإمبريالية المهيمنة. فهو يدافع عن مبدأ الطابع المقدس للملْكية ، ويشرعن
اللامساواة وجميع متطلبات إعادة الإنتاج الرأسمالي . ويعتبر الدعم الذي قدمه
الأخوان المسلمون في البرلمان المصري [ العام الماضي] للقوانين الرجعية التي تعزز
حقوق مالكي العقارات على حساب حقوق المزارعين المستأجرين ( وأغلبيتهم من الفلاحين
الصغار) مجرد مثال واحد من بين مئات الأمثلة على ذلك . والواقع ليس ثمة مثال حتى
على قانون رجعي واحد في أي من الدول الإسلامية تعارضه الحركات الإسلامية . أكثر من
ذلك ؛ إن مثل هذه القوانين يتم سنها بالإتفاق مع قادة النظام الإمبريالي . فالإسلام
السياسي ليس ضد الإمبريالية ، حتى وإن كان أتباعه يفكرون على غير هذا النحو ! وهو
حليف ثمين للإمبريالية ، وهذه المعلومة جرى إدراكها مؤخراً. وهكذا يسهل فهم لماذا
كان يضع الإسلام السياسي اعتماده دائماً على الطبقة الحاكمة في المملكة العربية
السعودية وباكستان. حتى أن هذه الطبقات كانت من أكثر المروجين له منذ البدايات. كما
دعم الإسلام السياسي بقوة كلا من البورجوازيات الكومبرادورية المحلية والأثرياء
الجدد والمستفيدين من العولمة الإمبريالية الراهنة. وقد تخلى مؤخراً عن مناهضة
الإمبريالية واستعاض عنها بموقف مناهضة الغرب (الذي يعني غالبا " مناهضة المسيحية"
)، والذي من الواضح أنه يقود المجتمعات إلى طريق مسدود ، لكنه لا يشكل عقبة أمام
انتشار الامبريالية وسيطرتها على النظام العالمي.ولا يعتبر الإسلام السياسي رجعيا
فقط فيما يتعلق بمسائل محددة (خصوصاُ المتعلقة بوضع المرأة)، بل ربما كان هو
المسؤول أيضا عن التجاوزات المتعصبة التي تمارس ضد المواطنين من غير المسلمين (مثل
الأقباط في مصر) ؛ الأمر الذي يعتبر في أساس الرجعية . ولذلك من الواضح أن الإسلام
السياسي لا يستيطع المشاركة في عملية تحرير الشعوب.وعلى الرغم من ذلك ثمة ثلاث حجج
رئيسة تشجع الحركات الاجتماعية ككل على الدخول في نقاش مع حركات الإسلام السياسي.
الأولى هي قدرة الإسلام السياسي على القيام بتعبئة شعبوية واسعة لا يمكن تجاهلها أو
التقليل من شأنها. والعديد من الصور الحالية تعزز على نحو مؤكد هذا الإدعاء. ومع
هذا ، يجب على المرء التأني عند التعاطي مع قضية " التعبئة " . فـ " النجاحات"
الإنتخابية التي تم تحقيقها تأخذ مكانها الصحيح حالما تخضع للتحليل الدقيق . وأذكر
هنا، على سبيل المثال، أن نسبة الإمتناع عن التصويت وصلت إلى أكثر من 75 في المئة
(!) في الانتخابات المصرية الأخيرة . فقوة الشارع الإسلامي ، في جانبها الأكبر، هي
ببساطة الوجه الآخر وحسب لضعف اليسار المنظم الغائب عن المجالات التي تحصل فيها
وحولها الصراعات الاجتماعية الراهنة.وح "). !.تى إذا كان هناك اتفاق
على أن الاسلام السياسي لديه القدرة على تعبئة أعداد كبيرة فعلا، فهل هذا يبرر
الاستنتاج بأن على اليسار السعي إلى إدراج منظمات الإسلام السياسي في سياق تحالفاته
من أجل العمل السياسي أو الاجتماعي؟ وإذا نجح الإسلام السياسي في تعبئة أعداد كبيرة
من الناس، وهذا هو الواقع ببساطة ، فإن على أي استراتيجية سياسية فاعلة أن تأخذ هذا
الواقع بعين الإعتبار في بحثها وتحديد أطروحاتها وخياراتها. إلا أن السعي إلى إقامة
تحالفات [ مع الإسلام السياسي] ليس بالضرورة أفضل الوسائل للتعامل مع هذا التحدي .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن منظمات الإسلام السياسي- والأخوان المسلمين بالتحديد - لا
تسعى إلى هكذا تحالفات، بل ترفضها في الواقع . وإذا صودف أن توصل بعض المنظمات
اليسارية إلى الإعتقاد ، مع الأسف ، بأن تنظيمات الإسلام السياسي قد قبلتها كشريك ،
فإن أول قرار ستأخذه الأخيرة بعد نجاحها في الوصول إلى السلطة هو التخلص من عبء هذه
التحالفات وتصفية هذا اليسار بعنف شديد، كما حصل في إيران مع "مجاهدين خلق "
و"فدائيين خلق" [ فضلا حن حزب " توده " الشيوعي ].
أما السبب الثاني الذي طرحه مناصرو "الحوار" فيقول إن الاسلام السياسي، حتى وإن كان
رجعيا لجهة الأطروحات الاجتماعية ، فهو "مناهض للامبريالية". وقد سمعت أنه أشير إلى
أن المعيار الذي أقترحه أنا في هذا الصدد (الدعم غير المشروط للكفاح من أجل التقدم
الإجتماعي) إنما هو معيار "اقتصادوي economistic" يهمل الأبعاد السياسية للتحديات
التي تواجه شعوب الجنوب. من جهتي ، لا اعتقد أن هذا النقد صحيح فيما يتعلق بما قلته
عن الديمقراطيه والأبعاد الوطنية للردود المطلوبة من أجل معالجة هذه التحديات. كما
أنني أوافق على أن الممارسة العملية التي تقوم بها قوى الإسلام السياسي في سياق
ردها على التحديات التي تواجه شعوب الجنوب، لا تتسق بالضرورة مع نهجها في التعامل
مع الأبعاد الاجتماعية والسياسية. وبالتالي من الممكن أن نتصور أن الاسلام السياسي
هو مناهض للإمبريالية، رغم تراجعه عن الركب الإجتماعي. وهنا يتبادر إلى الذهن على
الفور كل من إيران و"حماس" في فلسطين و "حزب الله " في لبنان، إلى جانب بعض حركات
المقاومة في العراق. وهذه الحالات سأناقشها بالتفصيل لاحقاً. لكن ما أود تبيانه هو
أن الاسلام السياسي ككل هو ، ببساطة متناهية، ليس مناهضاً للإمبريالية ، وإنما يصطف
كلياً وراء القوى المهيمنه على الصعيد العالمي. الحجة الثالثة تسترعي انتباه اليسار
إلى ضرورة مكافحة ظاهرة "الخوف من الإسلام" ( الـ Islamophopia ). إن أي يسار جدير
باسمه لا يستطيع تجاهل قضية الضواحي la question des Banlieues ، أي المعاملة التي
تلاقيها الطبقات الشعبية من أصول مهاجرة في حواضر الرأسماليه المتطورة المعاصرة.
وتبقى جميع التحليلات وردّات الفعل التي تبديها المجموعات المختلفة حول هذا التحدي
، (الأحزاب المعنية نفسها ،اليسار الانتخابي الأوربي ، واليسار الراديكالي) ، خارج
موضوع هذا النص . وسأكتفي هنا بإبداء وجهة نظري من حيث المبدأ : لا يمكن أن تقوم
الإستجابة المتدرجة على أساس إضفاء الطابع المؤسساتي على المشتركية
communitarianism (2) التي ترتبط حتماً وبالضرورة مع عدم المساواة ، وتعمل في نهاية
المطاف على إرساء ثقافة عنصرية . والواقع ثمة ناتج أيديولوجي معين لثقافة الولايات
المتحدة السياسية الرجعية ، وأعني المشتركية communitarianism التي سبق أن انتصرت
في بريطانيا العظمى ، بدأ بتلويث الحياة السياسية في القارة الأوروبية. فالخوف من
الإسلام، الذي يروج منهجيا من قبل أقسام هامة من النخبة السياسية والإعلام ، هو جزء
من إستراتيجية لإدارة تنوع المجتمع لصالح رأس المال، بالنظر لأن هذا الاحترام
المزعوم للتنوع هو في واقع الحال مجرد وسيلة لتعميق الانقسامات داخل الطبقات
الشعبية..ويقود تحديد مسألة ما يسمى مشكلة الجيران( أو الضواحي banlieues) وخلطها
بمسألة الإمبريالية (على سبيل المثال الإدارة الامبريالية للعلاقات بين المراكز
الإمبرياليه المهيمنه وسائر المحيطات المهيمَن عليها)، وكما يحدث أحيانا، إلى عدم
إحراز أي تقدم على أي من هذه الأراضي المختلفة. ويعتبر هذا الخلط جزءاً من أدوات
الرجعية ويعزز ظاهرة الخوف من الإسلام، الذي بدوره، يجعل من الممكن إضفاء الشرعية
على الهجوم ضد الطبقات الشعبية في المراكز الإمبريالية والهجوم ضد شعوب المناطق
المهيمين عليها، على حد سواء. ويوفر هذا الخلط وظاهرة الخوف من الإسلام ، بدورهما ،
قيمة خدماتية للإسلام السياسي الرجعي، ويمنح المصداقية للخطاب المعادي للغرب. وهنا
أقول إن الحملتين الأيديولوجيتين الرجعيتين المسوّقتين ، على التوالي ، من قبل كل
من اليمين العنصري في الغرب والإسلام السياسي، تؤازر إحداهما الآخرى على نحو متبادل
، وذلك بالضبط لأنهما تناصران الممارسات المشتركية.
الحداثة، الديمقراطية، العلمانية والإسلام
تنبثق الصورة التي تقدمها المناطق العربية والإسلامية عن نفسها اليوم من المجتمعات
التي يعتبر الدين (الإسلام) فيها حاضراً في جميع مجالات الحياة الاجتماعية
والسياسية؛ وذلك إلى الحد الذي يبدو معه من الغريب التمييز بينهما. وقد خلصت غالبية
المراقبين الأجانب (الزعماء السياسيين ووسائل الإعلام) إلى أن الحداثة، وربما
الديمقراطية، يجب عليها التكيف مع الوجود القوي للإسلام، بقوة الأمر الواقع De
Facto الذي يعوق العلمانية. فإما أن تصبح هذه المصالحة ممكنة وسيكون من الضروري
دعمها، أو أنها غير ممكنة وسيكون من الضرورى التعامل مع هذه المنطقة من العالم كما
هي. أنا لا أوافق على الإطلاق هذه النظرية التي تسمى "الرؤية الواقعية". فالمستقبل-
من وجهة نظر الإشتراكية العالمية البعيدة- هو لشعوب هذه المنطقة كما هو للآخرين،
وهو ديمقراطي وعلماني. وعلى الرغم من أن هذا المستقبل ممكن في هذه المناطق كما في
أي مكان أخر، إلا أنه لا يوجد أي ضمانات أو تأكيد في أي مكان.تشكل الحداثة، التي
بدأت في أوربا خلال القرن السادس عشر ، انقطاعا أو قطيعة (Rupture) في التاريخ
العالمي. وتدعي الحداثة أن البشر ، أفرادا وجماعات ، مسؤولون عن تاريخهم ، وبالتالي
القطع مع الأيديولوجيات ما قبل الحداثية المسيطرة. فالحداثة، إذن، تجعل الديمقراطية
ممكنة، مثلما تطالب بالعلمانية، من خلال فصل الدين عن السياسة. وبعد تكوينها من قبل
حركة الأنوار في القرن الثامن عشر، وتطبيقها من قبل الثورة الفرنسية، شكل الجمع بين
الحداثة والديمقراطية والعلمانية، بتقدمه وتراجعه، ملامح العالم المعاصر منذ ذلك
الحين. إلا أن الحداثة في حد ذاتها ليست فقط ثورة ثقافية، فهي تستمد معناها فقط من
خلال العلاقة الوثيقة التي انبثقت لدى ولادة ونمو الرأسمالية المتسارع. هذه العلاقة
اشترطت الحدود التاريخية لـ"الوجود الواقعي" للحداثة. ويجب اعتبار الأشكال المادية
للحداثة والديمقراطية والعلمانية، إذن، نواتج محددة من التاريخ المادي لنمو
الرأسمالية. وهذه النواتج تتشكل في ظروف محددة تكون فيها هيمنة رأس المال واضحة –
حيث المساومات التاريخية التي تحدد المضامين الاجتماعية للكتل المهيمنة (وهو ما
أُطلقُ عليه "السياق التاريخي للثقافات السياسيةهذا العرض المكثف لفهمي الطرقَ
المادية َ التاريخية َهو ببساطة للاستشهاد بالطرق المختلفة للجمع بين الحداثة
الرأسمالية، والديمقراطيه والعلمانية في سياقها النظري.طرحَت حركةُ الأنوار والثورة
الفرنسية نموذجا للعلمانية الراديكالية. فللفرد ( في حالتنا هنا المعني هو "
المسيحية " ) حرية الإختيار بين أن يكون ملحدا أو لا أدريا ، ربوبيا أو مؤمنا ، أما
الدولة فليس لها أن تعلم شيئا عن ذلك. وفي القارة الأوروبية ، كما في فرنسا مع
بداية الثورة ، مثلت التراجعات والمساومات ، التي جمعت ما بين سلطتي البرجوازية
والطبقات المسيطرة في أنظمة ما قبل الحداثة، قاعدة لأشكال مخففة من العلمانية تُفهم
على أنها تسامح، دون استبعاد الدور الاجتماعي للكنائس من النظام السياسي. أما
بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أفضى مسارها التاريخي الخاص إلى تشكيل ثقافة رجعية
على نحو أصولي لا وجود للعلمانية الحقيقية فيها. فالدين هنا معترف به كفاعل اجتماعي
، أما العلمانية فتختلط بتعددية في الأديان الرسمية (أي دين – أو حتى طائفة – هو
رسمي !).ثمة صلة واضحة بين درجة صلابة العلمانية الراديكالية ودرجة دعم تشكيل
المجتمع بالتوافق مع الموضوع المركزي للحداثة. ويمثل اليسار ، سواء أكان راديكاليا
أم معتدلا، والذي يؤمن بفعالية السياسة في توجيه التطور الاجتماعي في اتجاهات
مختارة، المدافع القوي عن مفاهيم العلمانية. هذا بينما يدعي اليمين المحافظ أنه
ينبعي السماح للأمور بأن تتطور بنفسها سواء أكانت القضية اقتصادية أو سياسية أو
اجتماعية. فعلى الصعيد الاقتصادي يبقى " السوق " ، دون ريب ، الخيار المفضل لرأس
المال. أما على المستوى السياسي فإن الديمقراطية "منخفضة القوة" تصبح هي القاعدة ،
ويستعاض عن تداول السلطة ببديل من الصنف السياسي نفسه . وفي المجتمع ، وضمن السياق
نفسه ،لا تحتاج السياسة إلى علمانية فعالة ، فـ " المشتركات " communities (2
/مكرر) تعوض عن عجز الدولة. هذا بينما يتولى السوق والديمقراطية التمثيلية صناعة
التاريخ ، ويتوجب أن يسمح لهما القيام بذلك ! وفي اللحظة الراهنة من انسحاب اليسار،
تسود النسخة المحافظة من الفكر الإجتماعي على نطاق واسع، حيث تستدرج الصياغات من
أفكار تورين Touraine و نيغريNegri (3). وتذهب الثقافة السياسية الرجعية للولايات
المتحدة حتى إلى أبعد من ذلك في إنكار مسؤولية العمل السياسي. فتكرار التأكيد الغبي
على أن الله يلهم الأمة "الأميركية"، والإلتزام الكبير بهذا "الإيمان"، يقلص مفهوم
العلمانية الفعلية ليوصلها إلى ...لا شيء. والقول إن الله يصنع التاريخ هو، في
الواقع، من أجل السماح للسوق وحده القيام بذلك.
أين تقع شعوب منطقة الشرق الأوسط من وجهة النظر هذه؟
تقود صورة الرجل الملتحي ذي القامة المنحنية ومجموعة النساء المحجبات إلى استنتاجات
متسرعة حول حجم الإلتزام الديني للأفراد. فالأصدقاء الغربيون " الثقافويون
Culturalist " ، الذين يدعون إلى احترام المعتقدات على اختلافها ، نادرا ما يرون
الإجراءات التي تنفذها السلطات لتقديم صورة تكون مريحة لهم. هناك بالتأكيد " مجانين
الله " (fous de Dieu) ، ولكن هل هم ، نسبيا ، أكثر عدداً من الكاثوليك الإسبان
الذين يسيرون في مواكب عيد الفصح، أو من الحشود الهائلة التي تستمع لمبشري أجهزة
التلفزيون في الولايات المتحدة [ كما يجري عندنا مع يوسف القرضاوي وعمرو خالد
وقبلهما متولي شعراوي ]؟
على أية حال، لم تقدم هذه المنطقةُ نفسَها على هذه الصورة دائما . فبعيدا عن
الاختلافات بين بلدانها ثمة إمكانيات لايمكن الاستخفاف بها لتطور العلمانية في هذه
المنطقة الممتدة من المغرب إلى أفغانستان ، بما في ذلك الشعوب العربية جميعها (
باستثناء شبه الجزيرة العربية ) ، و الأتراك والأرمينيون والأفغان وشعوب جمهوريات
آسيا الوسطى السوفييتية السابقة . هذا ولو أن الوضع يختلف بالنسبة للشعوب المجاورة
الأخرى ، سواء في شبه الجزيرة العربية [ دول الخليج] أم باكستان . لقد طـُبعت
التقاليد السياسية في هذه المنطقة الواسعة على نحو قوي بالتيارات الحداثية
الراديكالية : فأفكار الأنوار، والثورة الفرنسية، والثورة الروسية وشيوعية "
الأممية الثالثة " كانت حاضرة في أذهان الجميع ، وكانت ، على سبيل المثال ، أكثر
أهمية بكثير من الحياة البرلمانية في قصر ويستمنستر [ مجلسي العموم واللوردات
البريطانيين] . وقد ألهمت هذه التيارات المهيمنة النماذج الرئيسة للتحول السياسي
الذي قامت به الطبقات الحاكمة ، والتي يمكن وصفها، من بعض جوانبها، بأنها أشكال من
الاستبداد المستنير. هذابالتأكيد ما كان عليه حال مصر في زمن محمد علي أو الخديوي
إسماعيل ، وكذلك حال "الكمالية" [ نسبة لكمال أتاتورك] في تركيا وعملية التحديث في
إيران، الشبيهتين بهما. وتنتمي الشعبوية الوطنية في مراحل التاريخ الأخيرة الى
عائلة المشاريع السياسية الحداثوية نفسها.. وأشكال هذا النموذج عديدة ، ( "جبهة
التحرير الوطني الجزائرية "، و "البورقيبية" التونسيه، و "الناصرية" المصرية، و
"البعثية " في سوريا والعراق) ، إلا أن اتجاهها العام كان واحدا . ومن الواضح أن
التجارب المتطرفة - المسماة أنظمة شيوعية في جنوب اليمن سابقا وأفغانستان - لم
تختلف كثيرا في واقع الأمر. وهذه الأنظمة جميعها أنجزت الكثير؛ ولهذا السبب كانت
تمتلك تأييداً شعبياً كبيراً. ولهذا أيضاً، وعلى الرغم من أنها لم تكن ديمقراطية في
الواقع، فتحت الطريق لتطور ديمقراطي ممكن في هذا الاتجاه. وفي ظروف معينة، كتلك
التي كانت موجودة في مصر خلال الأعوام 1920 - 1950، كان مجرد محاولة إجراء انتخابات
ديمقراطية ، بدعم من مركز الإعتدال المناهض للإمبريالية (حزب الوفد)، يواجَه
بمقاومة السلطة الإمبريالية (بريطانيا العظمى) وحلفائها المحليين (القصرالملكي ).
والعلمانية ، التي طبقت بأشكال معتدلة ، لم يجر " رفضها " من قبل الشعب. في الواقع
، لم تكن التجارب الحداثوية ، من الاستبداد المستنير إلى الشعبوية الوطنية
الراديكالية، منتجات المصادفة ، بل نتاج الحركات القويه التي كانت تهيمن في أوساط
الطبقات الوسطى . وبهذه الطريقة عبرت تلك الطبقات عن رغبتها في أن ينظر إليها كشريك
كامل الأهلية في العولمة الحديثة. وهذه المشاريع، التي يمكن وصفها بأنها بورجوازية
وطنية، كانت حداثوية و متعلمنة وحوامل محتملة للتطور الديمقراطي . لكن هذه المشاريع
، وبالضبط لأنها تعارضت مع مصالح الإمبريالية المهيمنة، حاربتها هذه الأخيرة بلا
هوادة وحشدت القوى الظلامية في وجهها بصورة منهجية لهذه الغاية. إن تاريخ الاخوان
المسلمين معروف للجميع . فقد نشأت هذه الحركة في العشرينات من القرن الماضي على
أيدي البريطانيين والنظام الملكي بهدف قطع الطريق أمام حزب الوفد الديمقراطي
والعلماني. ويعلم الجميع أيضاً أن السادات ووكالة المخابرات المركزية الأميركية
نظما عودة جماعية لعناصر الحركة وجمهورها من أماكن لجوئهم في السعودية بعد وفاة
جمال عبد الناصر. ونحن جميعا على بينة من تاريخ حركة طالبان التي شكلتها وكالة
المخابرات المركزية الأميركية في باكستان لمحاربة "الشيوعيين" الذين فتحوا مدارس
للجميع، ذكوراً وإناثاً. بل إنه معروف جيداً أن الإسرائيليين ساندوا "حماس" في
البداية من أجل إضعاف التيارات العلمانية والديمقراطية في المقاومة الفلسطينية . في
الحقيقة كان الإسلام السياسي سيواجه صعوبة بالغة في الإنتشار خارج حدود العربية
السعودية وباكستان لولا الدعم المتواصل والقوي والحازم من قبل الولايات المتحدة
الأميركية. فمجتمع السعودية لم يكن بدأ بعد الخروج من التقاليد حين اكتشف النفط في
أراضيها. والتحالف الذي تم إبرامه على الفور بين الإمبريالية والطبقة التقليدية
الحاكمة أعطى الإسلام السياسي الوهابي فرصة جديدة للحياة . ومن ناحيتهم، نجح
البريطانيون في كسر الوحدة الهندية من خلال إقناع القادة المسلمين بإقامة دولتهم
الخاصة [ باكستان] التي سقطت في شـَرَك الإسلام السياسي منذ ولادتها. وتجدر الإشارة
هنا إلى أن النظرية التي تم من خلالها شرعنة هذه "التحفة الفقهية " المنسوبة
لـلمودودي ، إنما وضعت بكاملها ، وبشكل مسبق ، من قبل مجموعة المستشرقين الإنكليز
خدمة ً لصاحب الجلالة (4) . هكذا ، بالتالي ، يصبح من السهل إدراك مبادرة الولايات
المتحدة إلى كسر جبهة الدول الآسيوية والأفريقية المتحدة التي تأسست في باندونغ
العام 1955، من خلال انشاء منظمة "المؤتمر الاسلامي" في العام 1957 ، المدعومة من
قبل السعودية وباكستان . وبهذه الطريقة تغلغل الإسلام السياسي في المنطقة .إن أقلّ
الاستنتاجات التي ينبغي استخلاصها من الملاحظات التي تم وضعها هنا هو أن الإسلام
السياسي ليس النتيجة التلقائية الناجمة عن القناعات الدينية الحقيقية للشعوب
المعنية ، أو عن رغبة هذه الشعوب في تأكيد قناعاتها من خلاله . فالإسلام السياسي
جرى تخليقه من خلال العمل المنهجي للإمبريالية ، المدعومة ـ بالطبع ـ من قبل القوى
الرجعية الظلامية والطبقات الكومبرادورية التابعة. ولا ينفيذلك ، بطبيعة الحال ، أن
هذا الوضع هو أيضا مسؤولية قوى اليسار التي لم تر ولم تعرف كيف تتعامل مع هذا
التحدي الذي لم يزل مستمرا دون أدنى ريب . أسئلة تتعلق بدول الخط الأمامي
(أفغانستان، العراق، فلسطين وإيران)يقوم مشروع الولايات المتحدة، المدعوم بدرجات
متفاوتة من قبل حلفائها الأساسيين في أوروبا واليابان، على إرساء سيطرة عسكرية على
كوكبنا بكامله. وانطلاقا من هذا المنظور تم اختيار الشرق الأوسط ليكون منطقة
"الضربة الأولى" . وذلك لأربعة أسباب: (أولا) ـ إمتلاك منطقة الشرق الأوسط أكثر
مصادر النفط وفرة في العالم ، وسيطرة الولايات المتحدة المباشرة عليه من خلال
قواتها المسلحة يعطيها وضعاً امتيازيا ً، ويضع حلفاءها (أوروبا واليابان ) ،
ومنافسيها الصينيين المحتملين ، في موقف غير مريح لجهة عدم استقلاليتهم في التزود
بالطاقة. ( ثانيا) ـ تقع هذه المنطقة عند ملتقى طرق العالم القديم، الأمر الذي يسهل
خلق تهديد عسكري دائم ضد الصين و الهند وروسيا. (ثالثا ـ تشهد المنطقة لحظة ضعف
وارتباك يسمحان للمعتدي بالوثوق من إمكانية تحقيق انتصار سهل ، مؤقتا على الأقل.
(رابعا) ـ وجود إسرائيل ، الحليف المطلق لواشنطن ، في المنطقة.
هذا العدوان جعل الدول والشعوب الواقعة على خط الجبهة الأمامي ، (أفغانستان،
العراق، فلسطين وإيران) ، في حالة دمار محقق (بالنسبة للدول الثلاث الأولى) ، أو
مهددة بالدمار ( كما في حالة إيران).
أفغانستان
شهدت أفغانستان أفضل فترة في تاريخها الحديث حين كانت في ظل ما يسمى بالجمهورية
الشيوعية. وكانت تلك فترة نظام الاستبداد الحداثوي المستنير الذي فتح النظام
التعليمي أمام الأطفال من الجنسين كليهما. وكان عدو الظلامية، الأمر الذي منحه دعما
حاسما داخل المجتمع. وكان الإصلاح الزراعي الذي اضطلع به النظام ، في جزئه الأكبر،
مجموعة من التدابير التي ترمي الى الحد من الصلاحيات الاستبدادية لزعماء القبائل.
وكفل الدعم ، الضمني على الأقل ، للغالبية العظمى من الفلاحين انطلاقة جيدة نحو
التغيير. وهو ما صورته بروباجندا الإعلام الغربي ، فضلا عن بروباجندا الإسلام
السياسي ، على أنه شيوعية شمولية ملحدة مرفوضة من جانب الشعب الأفغاني. وفي الحقيقة
كان النظام أبعد من أن يكون غير شعبي ، مثله في ذلك مثل نظام أتاتورك في بدايته.في
الواقع لم يكن أمرا مفاجئا أن قادة هذه التجربة، وخصوصا منهم المنتمين لفصيلي "خلق
" و "بارشام" ، وصفوا أنفسهم بالشيوعيين. فالنموذج الذي أنجزته الشعوب المجاورة في
آسيا الوسطى السوفييتية ، مقارنا بالكوارث الاجتماعية التي تسببت بها الإدارة
الاستعمارية البريطانية في دول أخرى مجاورة ( الهند ، وباكستان حين كانت جزءا منها)
، كان له (على الرغم من كل ما قيل حول هذا الموضوع ، وعلى الرغم من الممارسات
الاستبدادية للنظام السوفييتي ) الأثر الأكبر في تشجيع الوطنيين، هنا كما في العديد
من بلدان المنطقة الأخرى ، على إجراء تقويم للمدى الكلي للإعاقة التي شكلتها
الإمبريالية بوجه أي محاولة للتحديث. ومن المؤكد أن الدعوة التي وجهتها إحدى
الفصائل الى السوفيات للتدخل بهدف تحرير أنفسهم من الآخرين، كان لها أثر سلبي ،
ورهنت إمكانيات قيام المشروع الشعبي الوطني الحداثوي.كانت الولايات المتحدة بشكل
خاص ، و" ثالوث " حلفائها [ السعوديين والباكستانيين والمحليين] بشكل عام ، معارضين
أشداء للمجددين الأفغان ، سواء أكانوا شيوعيين أم لا. فهي التي عبأت القوى الظلامية
من الإسلام السياسي ذي الطراز الباكستاني (طالبان) ، وأمراء الحرب من زعماء القبائل
الذين تم تحييدهم بنجاح من قبل ما يسمى بالنظام الشيوعي في أفغانستان ؛ وهي التي
أمّنت لهم التدريب والسلاح. وحتى بعد الانسحاب السوفياتي [ في شباط / فبراير من
العام 1989 ] ، أثبتت حكومة نجيب الله قدرتها على المقاومة. وكان من المرجح أن تصبح
يدها هي العليا لولا الهجوم العسكري الباكستاني الذي جاء لدعم حركة طالبان، ثم دعم
هجوم القوات المعاد تشكيلها في وقت لاحق من أمراء الحرب [ لاسيما أحمد شاه مسعود ]،
الأمر الذي أدى إلى مزيد من الفوضى (5 ).لقد تم تدمير أفغانستان بسبب تدخل الولايات
المتحدة وحلفائها وعملائها ، لاسيما الإسلاميين منهم. ولا يمكن إعادة بناء
أفغانستان تحت سلطتهم التي تتلطى وراء مهرج [ حامد قرظاي ] جرى إنزاله بالمظلة من
وراء المحيطات من قبل " التكساسي " الذي استخدمه دون أن يكون له أية جذور في هذا
البلد . وكانت "الديمقراطية" المزعومة ، التي دعت واشنطن وحلف الناتو والأمم
المتحدة إلى إنقاذها ، وبررت باسمها استمرار وجودها ( أي الاحتلال في واقع الأمر)،
مجرد كذبة منذ البداية ، قبل أن تصبح مهزلة كبرى في نهاية المطاف. في الواقع ليس
هناك سوى حل واحد للمشكلة الأفغانية : وجوب خروج جميع القوى الأجنبية من البلاد ،
وتوقف جميع القوى عن تمويل وتسليح حلفائها . ولأولئك الذين يعبّرون بحسن نية عن
خشيتهم من أن الشعب الأفغاني سيغفر لديكتاتورية الطالبان (أو أمراء الحرب)، أقول إن
الوجود الأجنبي القائم حتى الأن يبقى أفضل أنواع الدعم لهذه الديكتاتورية! لقد كان
الشعب الأفغاني يسير باتجاه آخر ـ واعد في أغلب الإحتمالات- عندما كان الغرب يبدي
أقل اهتمام بشؤونه. وفيما يتعلق بالاستبداد المستنير الذي شكله " الشيوعيون " ،
أقول إن الغرب المتحضر كان على الدوام يفضل استبداد القوى الظلامية لأنها ، وعلى
نحو مطلق ، أقل خطورة على مصالحه
العراق
كان هدف الدبلوماسية الأميركية المسلحة ، قبل قيامها بذلك فعليا ، هو تدمير العراق
بالمعنى الدقيق للكلمة ، ولكن بعد أن توفرت لها الذرائع في مناسبتين مختلفتين: غزو
الكويت في عام 1990 ثم في أعقاب أحداث 11 ايلول / سبتمبر 2001 ، واللتين تم
استغلالهما لهذا الغرض من جانب بوش من خلال اللجوء إلى استخدام أسلوب وزير الدعاية
النازي غوبلز ، القائم على النزعة الكلبية Cynicism المشفوعة بالأكاذيب ( "اذا قلت
كذبة كبيرة بما فيه الكفايه وبقيت ترددها، سيصدقها الناس في نهاية المطاف"). والهدف
من ذلك بسيط ولا علاقة له بخطاب الدعوة لتحرير الشعب العراقي من ديكتاتورية صدام
حسين الدموية ( وهي ، حقا ، ديكتاتورية بما فيه الكفاية). فالعراق يمتلك جزءا كبيرا
من أفضل موارد النفط على هذا الكوكب. ولكن الأهم من ذلك هو أن العراق نجح في تدريب
الكوادر العلمية والتقنية القادرة ، بفضل أعدادها الكبيرة والمؤهلة ، على دعم مشروع
وطني كبير ومتماسك. هذا الخطر كان لا بد من القضاء عليه من خلال حرب وقائية أعطت
نفسها الحق بخوضها في الوقت والمكان اللذين تقررهما، دون أدنى احترام للقانون
الدولي.
خلف هذه الملاحظه الواضحة يكمن عدد من المسائل الخطيرة الواجب فحصها : أولا ـ كيف
أمكن لخطة واشنطن أن تبدي - ولو لبرهة تاريخية صغيرة – نجاحا مذهلا على النحو؟
ثانيا ـ ما هو الوضع الجديد الذي تم خلقه وتواجهه الأمة العراقية اليوم؟ ثالثا ـ ما
هي ردود فعل العناصر المختلفة للشعب العراقي تجاه هذا التحدي؟ رابعا ـ ما هي الحلول
التي يمكن للقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية والعربية والدولية أن تقدمها؟
لم تكن هزيمة صدام حسين مفاجئة. فالشعب العراقي ، الذي واجه عدوا تكمن ميزته
الرئيسة في قدرته على تنفيذ إبادة جماعية ، محصّنة ضد العقاب ، من خلال القصف الجوي
(واستخدام الأسلحة النووية سيأتي )، لديه رد واحد فعال ممكن : إطلاق المقاومة في
أرضه المحتلة . ذلك لأن نظام صدام كرس جهده للقضاء على كافة وسائل الدفاع الموجودة
في متناول شعبه من خلال التدمير المنهجي لجميع المنظمات والأحزاب التي صنعت تاريخ
العراق الحديث ، بدءا من الحزب الشيوعي العراقي ، وانتهاء بحزب البعث نفسه ، الذي
كان واحدا من الأطراف الفاعلة الرئيسة في هذا التاريخ. لذلك ليس من المستغرب في ظل
هذه الشروط أن الشعب العراقي سمح بتعرض بلاده للغزو دون أن يقوم بمواجهته . ولا
تبدو سلوكات معينة ( مثل المشاركة الواضحة في انتخابات نظمها المحتل ، أو اندلاع
القتال بين الأشقاء الأكراد والعرب السنة والعرب الشيعة) على أنها بوادر إمكانيه
قبول بالهزيمة (وهو ما بنت عليه واشنطن حساباتها ). لكن ما هو جدير بالملاحظة هو أن
المقاومة على الأرض تزداد قوة كل يوم (بالرغم من كل نقاط الضعف الخطيره التي أظهرها
مختلف قوى المقاومة).
مع ذلك، أوجد الإحتلال العسكري الأجنبي وضعا جديدا. فالأمة العراقية مهددة جديا.
ذلك أن واشنطن غير قادرة على الحفاظ على سيطرتها على البلاد ( لنهب موارده النفطية،
وهو ما يعتبر هدفها الأول) من خلال وسيلة تتمثل بما يبدو أنه حكومة وطنية .
وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة التي بإمكانها الاستمرار من خلالها في مشروعها هو
تقسيم البلد. وربما يكون تقسيم البلاد الى ثلاث دول على الأقل (كردية وسنية ـ عربية
و شيعية ـ عربية) هدف واشنطن منذ البداية بالتنسيق مع إسرائيل (سيكشف الأرشيف عن
حقيقة ذلك في المستقبل). واليوم تلعب واشنطن ورقة "الحرب الأهلية" لإضفاء الشرعية
على استمرار احتلالها. ومن الواضح ان الاحتلال الدائم كان - وما يزال - الهدف: فهو
الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تضمن سيطرة واشنطن الدائمة على الموارد النفطية. ومن
المؤكد أنه لا يمكن إعطاء أي مصداقية لنوايا واشنطن المعلنة من قبيل " إننا سنرحل
عن البلاد فور الإنتهاء من إعادة تأهيله" . إذ ينبغي أن نتذكر أن البريطانيين كانوا
يقولون دائماً عن احتلالهم مصر، الذي بدأ في العام 1882، إنه أمر مؤقت (وهو الذي
استمر حتى عام 1956!). في غضون ذلك، وبطبيعة الحال، تستمر الولايات المتحدة في
تدمير البلد : مدارسه، مصانعه وقدراته العلمية ، عبر استخدام الوسائل جميعها ، بما
فيها الأكثر إجراما.
ولا يبدو ، حتى الآن على الأقل ، أن الردود التي يقدمها الشعب العراقي على هذا
التحدي بمستوى مواجهة خطورة هذا الوضع . وهذا أقل ما يمكن أن يقال. فما هي أسباب
ذلك؟
تكرر وسائل الإعلام الغربية المهيمنة ، وعلى نحو مثير للقرف ، القول إن العراق بلد
فسيفسائي وإن الهيمنة الغاشمة التي مارسها نظام صدام "السني" على الشيعة والأكراد
هي أصل حتمية الحرب الأهلية (التي لا يمكن إخمادها ربما إلا من خلال مواصلة
الاحتلال الأجنبي). وبناء على هذا الادعاء تكون المقاومة مقتصرة على عدد قليل من
مؤيدي صدام ونواتهم الصلبة المكونة من مسلمي المثلث السني. وإنه لأمر صعب علينا ،
دون ريب ، تجميع وإيراد أكاذيب أكثر من ذلك . واجه البريطانيون في أعقاب الحرب
العالمية الأولى صعوبة كبيرة في التصدي لمقاومة الشعب العراقي. وبانسجام كامل مع
تقاليد الإمبراطورية البريطانية ، استورد البريطانيون النظام الملكي، وخلقوا طبقة
من كبار ملاك الأراضي لدعم سلطتهم من خلال منح أهل السنة مكانة مميزة . لكنهم
انتهوا إلى الفشل رغم مساعيهم المنهجية في ذلك . وكان الحزب الشيوعي وحزب البعث أهم
القوى السياسية المنظمة التي هزمت السلطة الملكية "السنية" التي يكرهها الجميع: سنة
وشيعة وأكرادا . وقد رحبت القوى الغربية بالمنافسة العنيفة التي جرت بين هاتين
القوتين واحتلت مسرح الأحداث خلال الفترة 1958 ـ 1963، قبل أن تنتهي بفوز حزب البعث
الذي رحبت به القوى الغربية باعتباره منحة من السماء . وفيما حمل المشروع الشيوعي
بذاته إمكانية تطور ديمقراطي ، لم يكن هذا حال حزب البعث . فهذا الأخير كان قوميا
عربيا من حيث المبدأ، معجباً بالنموذج البروسي في بناء الوحدة الألمانية . وقد جند
أعضاءه من العلمانيين، والبرجوازية الصغيرة الحداثوية المعادية للتعبيرات الدينية
الظلامية. لكن وما إن أصبح في السلطة ، وكان تكوينه يسمح أساسا بالتنبؤ بما سيؤول
إليه وضعه ، حتى تطور إلى ديكتاتورية نصف معادية للإمبريالية ؛ بمعنى إمكانية قبوله
مساومتها والوصول معها إلى حلول وسطية مقبولة من قبل الشريكين ( بقاؤه على رأس
السلطة في العراق واستمرار هيمنة الإمبريالية الأميركية على المنطقة) . وهو ما حصل
فعلا.
شجعت هذه الصفقة صدام حسين على اقتراف المزيد من التجاوزات التي تندرج في إطار جنون
العظمة ، لاسيما وأنه تخيل أن واشنطن ستقبل به حليفا أساسيا لها في المنطقة. وجاء
دعم واشنطن له في حربه الحمقاء والإجرامية ضد إيران خلال الفترة 1980 ـ 1989
،(والدليل على ذلك تسليمه أسلحة كيميائية ) ، ليضفي مصداقية على حساباته الجنونية.
ولم يتصور صدام أبدا أن واشنطن يمكن أن تخدعه ؛ كما أنه لم يدرك أن تحديث العراق
كان أمراً غير مقبول بالنسبة للإمبريالية . ولذلك كان قرار تدمير البلاد قد اتخذ
بالفعل. وسقط صدام في الفخ المفتوح عندما أعطى الضوء الأخضر لضم الكويت (وكانت في
الواقع جزءا من الأقاليم العراقية في ظل العثمانيين قبل أن يقتطعها الإمبرياليون
البريطانيون لجعلها واحدة من مستعمرات النفط). ومنذ ذلك الحين أخضع العراق لعشر
سنوات من العقوبات بهدف إضعاف البلاد وتسهيل الغزو المجيد الذي ستشنه القوات
المسلحة الأميركية.
على أي حال ، يمكن اتهام أنظمة البعث المتعاقبة، بما فيها نظام صدام نفسه في فترة
انحطاطه ، بكل شيء عدا قيامه بتأجيج الصراع بين السنة والشيعة. فمن هو المسؤول إذاً
عن الاشتباكات الدامية بين الطائفتين؟ يوماً ما سنعلم بالتأكيد كيف نظمت وكالة
الاستخبارات المركزية الأميركية (ومما لا شك فيه الموساد أيضاً) العديد من هذه
المجازر. ولكن، وبعيدا عن ذلك ، علينا الاعتراف بحقيقة أن التصحر السياسي الذي خلقه
نظام صدام ، والمثال الذي قدمه عن الأساليب الانتهازية عديمة الأخلاق ، شجعا مختلف
أشكال وألوان الطامحين إلى السلطة من خلفائه ، المحميين في كثير من الأحيان من قبل
المحتل ، على انتهاج الطريق نفسه . بل إنهم ، وفي بعض الأحيان، ربما وصلت بهم
سذاجتهم إلى حد الاعتقاد بأن قوة المحتل يمكن أن تكون في خدمتهم . وهؤلاء الطامحون
، وهم زعامات دينية ( سنية أو شيعية ) يُفترض أنهم " وجهاء " شبه قبليينPara-Tribal
، أو رجال أعمال فاسدون يتصفون بسوء السمعة صدرتهم الولايات المتحدة ، لم يكن لهم
أي مكانة سياسية في البلاد . وحتى تلك الزعامات الدينية التي يحترمها أتباعها لم
يكن لها أي نفوذ سياسي مقبول لدى الشعب العراقي . ولولا الفراغ الذي أوجده صدام لم
يكن لأحد أن يعرف كيف ينطق أسماءهم . فهل سيكون لدى القوى السياسية الأخرى الموثوقة
شعبياً ووطنياً ، وربما ديمقراطياً أيضا ، والتي يواجهها العالم السياسي الجديد
الذي خلقته إمبريالية العولمة الليبرالية ، وسائل لإعادة بناء نفسها؟
لقد عرف العراق فترة من الزمن كان فيها الحزب الشيوعي العراقي البؤرة التي تستقطب
أفضل ما يمكن أن ينجبه الشعب العراقي . وكان وجود الحزب يغطي أرجاء البلاد كلها ؛
بل إنه كان صاحب النفوذ الأكثر قوة في عالم المثقفين الذين غالباً ما كانوا منحدرين
من الوسط الشيعي . ولا بد لي هنا من إيراد ملاحظة هامة ، لكنها في منتهى الأهمية ،
وهي أن الشيعة [ العراقيين] أنجبوا ثوريين أو زعماء دينيين ، ولكنهم نادرا ما كانوا
بيروقراطيين أو كومبرادورا !
كان الحزب الشيوعي العراقي حزبا شعبيا على نحو أصيل وحقيقي ، مناهضا للإمبريالية ،
يميل قليلا الى الديماغوجية ومن المحتمل أنه كان ديمقراطيا. فهل كتب للحزب أن يختفي
من التاريخ بعد المذبحة التي نفذتها الديكتاتوريات البعثية ضد الآلاف من خيرة
مناضليه ، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ( الذي لم يكن مستعدا له ) ، وبعد سلوك
مثقفيه الذين اعتقدوا بأنه من المقبول أن يعودوا من المنفى في ركاب أتباع القوات
المسلحة الأميركية ؟ للأسف إن هذا ممكن جدا ، لكنه ـ ورغم ذلك كله ـ ليس حتميا .
فيما يتعلق بالقضية الكردية يجب القول إنها قضية حقيقية في العراق كما هي في إيران
وتركيا. وفي هذا الموضوع يجب أن يشار أيضا إلى أن القوى الغربية مارست دائما، على
نحو كلبيّ فاقع ، معايير مزدوجة. فالقمع الذي طال المطالب الكردية في العراق وإيران
لم يصل أبدا إلى مستوى القمع البوليسي والعسكري والسياسي والأخلاقي الذي مارسته
أنقرة. كما أن الأمر لم يصل أبداً بإيران أو العراق إلى حد إنكار الوجود الكردي.
وعلى أي حال، يجب إيجاد العذر لتركيا على كل ما قامت به ، لا لشيء إلا لأنها عضو في
منظمة حلف شمال الأطلسي ومنظومة الأمم الديمقراطية، كما تذكرنا وسائل الإعلام
دوماً. فمن بين الديموقراطيين المرموقين الذين أعلنهم الغرب كان سالازار في
البرتغال، أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة حلف شمال الاطلسي، والذي لا يقل عنه إعجاباً
بالديمقراطية وحماسا لها كولونيلات اليونان [ السابقين] وجنرالات تركيا!
في كل مرة كانت تتشكل الجبهات الشعبية العراقية حول الحزب الشيوعي والبعث خلال
البرهات التاريخية الأكثر هدوءا من تاريخه المضطرب ، من أجل ممارسة السلطة السياسية
، كان هؤلاء يجدون دوما مساحة اتفاق مع الأحزاب الكرديه الرئيسة. أكثر من ذلك : لقد
كانت هذه الأخيرة حليفهم دائما .
من المؤكد أن نظام صدام مارس تجاوزات وجرائم حقيقية ضد الشيعة والأكراد. وأبسط مثال
على ذلك ما قام به جيشه من قصف لمنطقة البصرة بعد هزيمته في الكويت العام 1990 ، و
استخدامه سلاح الغاز الكيماوي ضد الأكراد [ قبل ذلك في حلبجة العام 1988] . وقد
جاءت تلك التجاوزات والجرائم ردا على مناورات الديبلوماسية المسلحة التي قامت بها
واشنطن حين حركت صبيان المشعوذ [ جورج بوش ] من الشيعة والأكراد. وتبقى هذه
التجاوزات هي الأكثر إجراما وغباء، بالنظر لأن نجاح استغاثات واشنطن [ بصبيانها]
كان محدودا جدا. ولكن هل يمكن أن نتوقع أي شيء آخر من الطغاه أمثال صدام؟
تبدو قوة مقاومة الاحتلال الأجنبي ، غير المتوقعة في ظل هكذا ظروف ، بمثابة عمل
إعجازي خارق . وهذه ليست القضية ، بالنظر لأن الحقيقة الأساسية هي أن الشعب العراقي
ككل ( عربا وأكرادا ، سنة وشيعة) يمقت المحتلين ، لكنه أصبح " متآلفا " مع جرائمهم
اليومية (اغتيالات، تفجيرات، مذابح وتعذيب). ويمكن تصور تشكيل جبهة موحدة للمقاومة
الوطنية (سمها ما تريد) وإعلانها من خلال نشر قوائم بأسماء الأشخاص والمنظمات
والأحزاب المنضوية تحتها وبرنامجهم المشترك. إلا أن هذا ليس للأسف واقع الحال في
الوقت الحاضر ، نظرا للأسباب المبينة أعلاه ، بما في ذلك تدمير النسيج الاجتماعي
والسياسي الذي سببته قيادة صدام الدكتاتورية والاحتلال. وبغض النظر عن الأسباب، فإن
هذا الضعف عقبة أساسية من شأنها تسهيل تقسيم السكان وتشجيع الانتهازيين، بل جعلهم
متعاونين مع الاحتلال ، ونشر بلبلة أكبر حول أهداف التحرير
ولكن من ذا الذي سينجح فى التغلب على هذه العوائق؟
ينبغي أن يكون الشيوعيون أفضل من يقوم بذلك ؛ لكن مناضلي الحزب الشيوعي الموجودين
الآن على الأرض منفصلون عن قادة الحزب المعروفين وحدهم على المستوى الإعلامي
المهيمن ، والذين يحاولون ، على نحو مرتبك ومشوش ، إعطاء تحالفهم مع الحكومة
العميلة مظهرا ما من مظاهر الشرعية ؛ بل ويزعمون أنهم يقدمون فاعلية إضافية
للمقاومة المسلحة بسلوكهم هذا ! لكن ، وفي ظل ظروف من هذا النوع ، ثمة العديد من
القوى السياسية الأخرى التي يمكنها القيام بمبادرات حاسمة باتجاه تشكيل جبهة من هذا
النوع . وعلى الرغم من نقاط ضعفها ، تبقى القضية هي أن مقاومة الشعب العراقي تمكنت
بالفعل ( سياسيا إن لم يكن عسكريا بعد ) من إلحاق الهزيمة بمشروع واشنطن. وهذا على
وجه التحديد ما يقلق الأطلسيين في الاتحاد الأوربي ـ حلفاء الولايات المتحدة
الأوفياء . وما يخشاه هؤلاء اليوم هو هزيمة الولايات المتحدة ، الأمر الذي من شأنه
تعزيز قدرة شعوب الجنوب على مواجهة قوى رأس المال المعولم والعابر للقوميات وإرغام
الثالوث الإمبريالي على احترام مصالح أمم وشعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية .
لقد عرضت المقاومة العراقية مقترحات تجعل من الممكن الخروج من الطريق المسدودة
ومساعدة الولايات المتحدة على الانسحاب من الفخ . وتضمنت مقترحاتها : ( أولا ) ـ
تشكيل سلطة إدارية انتقالية بدعم من مجلس الأمن في الأمم المتحدة ؛ ( ثانيا) ـ
الوقف الفوري لأعمال المقاومة والتدخلات البوليسية والعسكرية التي تقوم بها قوات
الاحتلال ؛ ( ثالثا ) ـ رحيل جميع السطات العسكرية والمدنية الأجنبية في غضون ستة
أشهر . وقد نشر تفصيل هذه المقترحات في عدد كانون الثاني / يناير [2007] من مجلة "
المستقبل " العربي المرموقة التي تصدر في بيروت .
إن الصمت المطبق الذي لزمته وسائل الإعلام الغربية إزاء هذه الرسالة ، وهو ما يعني
معارضتها لانتشارها ، يعتبر شهادة على تضامن الشركاء الإمبرياليين فيما بينهم.
ويتوجب على القوى الديمقراطية والتقدمية الأوربية النأي بأنفسها عن سياسة الثالوث
الإمبريالي هذه ، ودعم مقترحات المقاومة العراقية . فليس خياراً مقبولاً ترك الشعب
العراقي يجابه خصومه وحده ، إذ إن سلوكا من هذا النوع يدعم الفكرة الخطيرة القائلة
بأنه لايمكن توقع أي شيء من الغرب وشعوبه ، ويشجع ـ بالتالي ـ على التجاوزات غير
المقبولة ، وحتى الإجرامية ، التي تنطوي عليها أنشطة بعض حركات المقاومة .
إن الرحيل الأسرع لقوات الاحتلال الأجنبي عن البلاد ، وزيادة دعم القوى الديمقراطية
في العالم وفي أوربا للشعب العراقي ، من شأنهما زيادة فرص وجود مستقبل أفضل لهذا
الشعب الشهيد . وكلما طال أمد الاحتلال ، ستكون عقابيل نهايته المحتمة أكثر مأسوية.
فلسطين
أصبح الفلسطينيون، منذ "إعلان بلفور" خلال الحرب العالمية الأولى، ضحية مشروع
استيطان من قبل شعب أجنبي لا يحتفظ لهم سوى بمصير "الهنود الحمر"، سواء أدركنا ذلك
أو تظاهرنا بتجاهله. وقد حصل هذا المشروع على الدعم غير المشروط دوما من القوة
الإمبريالية المهيمنة في المنطقة (بالأمس بريطانيا العظمى واليوم الولايات
المتحدة)، لأنه لا يمكن للدولة الأجنبية التي كوّنها المشروع في المنطقة إلا أن
تكون حليفا غير مشروط ، حيث تقوم ـ مقابل ذلك ـ بالتدخلات المطلوبة لإرغام عرب
الشرق الأوسط على الخضوع لهيمنة الرأسمالية الإمبريالية.
هذه حقيقة واضحة لجميع الشعوب الأفريقية والآسيوية. وبالتالي، وفي القارتين كلتيهما
، تتوحد الشعوب من تلقاء نفسها على التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عنها
. أما في أوروبا، فإن "قضية فلسطين" كرست انقساماً أنتجه تشويش تغذيه الأيديولوجيه
الصهيونية ، التي كثيرا ما لقيت صدىً إيجابيا على نحو بالغ التحيز.
اليوم ، وأكثر من أي وقت مضى، وبالتزامن مع تنفيذ الولايات المتحدة "مشروع الشرق
الأوسط الكبير"، تم إلغاء حقوق الشعب الفلسطيني. فقد قبلت منظمة التحرير الفلسطينية
مخططات أوسلو ومدريد وخارطة الطريق الموضوعة من قبل واشنطن. أما إسرائيل فهي التي
تراجعت عن موافقتها، ونفذت خطة التوسع الأكثر طموحاً. ورغم ذلك ، وفي المحصلة ، فقد
تقوضت منظمة التحرير الفلسطينية : فالرأي العام يستطيع لومها بحق لأنها اعتقدت على
نحو ساذج بمصداقية خصومها . وقد أدى الدعم الذي قدمته سلطات الاحتلال إلى خصمها (
حماس) ، على الأقل في بداية تكونها ، واستشراء الممارسات الفاسدة في الإدارة
الفلسطينية ( التي صمت عنها صندوق المانحين ، كالبنك الدولي والاتحاد الأوربي
والمنظمات غير الحكومية ، إن لم يكونوا أصلا شركاء في هذه الممارسات) ، إلى انتصار
" حماس" في الانتخابات ( الأمر الذي كان متوقعا) ، وهو ما تحول لاحقا إلى ذريعة
أخرى تم استعمالها في الحال لتبرير الانحياز غير المشروط للسياسات الإسرائيلية مهما
وكيفما كانت .
لم يكن المشروع الكولونيالي الصهيوني خطرا على فلسطين فقط ، بل ـ وعلى الدوام ـ
تهديد للشعوب العربية المجاورة. وخير دليل على ذلك، طموحه إلى ضم سيناء المصرية
وضمه الفعلي للجولان السوري. وفي مشروع " الشرق الأوسط الكبير " تم منح إسرائيل
موقعا متميزا ، أولا لاحتكارها السلاح النووي في المنطقة ، وثانيا بوصفها "شريكا لا
غنى عنه" (بذريعة أنها تملك الخبرة التكنولوجية التي لا قبل للشعب العربي بامتلاكها
. فيا لها من عنصرية لازبة لايمكن الاستغناء عنها !) .
ليست الغاية هنا تقديم تحليلات تتصل بالتداخلات المعقدة فيما بين مقاومة التوسع
الكولونيالي الصهوني والصراعات السياسية والخيارات في لبنان وسوريا. فالأنظمة
البعثية في سوريا قاومت ، وفق أساليبها الخاصة ، مطالب الدول الإمبريالية وإسرائيل
(6) . وكون هذه " المقاومة " قد استـُخدِمت لشرعنة طموحات [ دمشق] المشكوك في
صوابيتها (السيطرة على لبنان) ، فهو أمر لا جدال فيه. فضلا عن ذلك ، إن النظام
السوري يختار بعناية الحلفاء الأقل خطرا عليه في لبنان. فمن المعروف جيدا أن الحزب
الشيوعي اللبناني هو من أطلق المقاومة المنظمة في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية
لجنوب لبنان (بما في ذلك مقاومة تحويل منابع المياه). وقد عمل السوريون واللبنانيون
بقوة ، بالتعاون مع السلطات الايرانية ، على تدمير هذه القاعده الخطرة [ الحزب
الشيوعي ] والاستعاضة عنها بحزب الله. ومن الواضح أن اغتيال رفيق الحريري ( وهي
قضية لم تحلّ حتى الآن) أعطى القوى الامبريالية (الولايات المتحدة في الطليعة ومن
خلفها فرنسا) فرصة التدخل لتحقيق هدفين: أولاهما : إرغام دمشق على الانضمام بشكل
نهائي إلى الدول العربية التابعة (مصر والسعودية) أو – فيما لو تعذر ذلك ـ التخلص
من بقايا النظام البعثي المنخور والمتآكل بالفساد ؛ وثانيهما : تدمير ما تبقى من
قدرة على مقاومة الاعتداءات الاسرائيلية (من خلال المطالبة بنزع سلاح حزب الله).
وفي هذا السياق، يمكن الاستناد إلى " خطاب نشر الديمقراطية " ، إذا كان ذلك مفيدا.
اليوم، ولقبول التقدم في تنفيذ المشروع الإسرائيلي ، يجب التصديق على إلغاء حق
الشعوب الأساسي: الحق في الوجود. وهذا يعتبر جريمة عظمى ضد الإنسانية. ولا تعتبر
تهمة "معاداة السامية" الموجهة ضد الذين يرفضون هذه الجريمة إلا وسيلة مروعة
للابتزاز.
إيــران
ليست غايتنا هنا مناقشة التحليلات التي قدمت بشأن الثورة الإسلامية : هل كانت ـ وفق
ما جرى تداوله في أوساط الإسلام السياسي وبعض المراقبين الأجانب ـ إعلانا عن ،
ونقطة انطلاق نحو ، تغيير سيشمل في النهاية المنطقة بأسرها ، وربما العالم الإسلامي
الذي أعيدت تسميته بالمناسبة " الأمة الإسلامية " (التي لا وجود لها أبدا)؟ أم كانت
حدثا فريدا من نوعه، لا سيما وأنها كانت مزيجا فريدا من تفسيرات الإسلام الشيعي
والتعبير عن القومية الإيرانية؟
من منظور ما يعنينا هنا، سوف أبدي ملاحظتين فقط . الأولى هي أن نظام الإسلام
السياسي في إيران لا يتنافى بطبيعته مع اندماج البلاد في النظام الرأسمالي المعولم
كما هو، بالنظر لأن النظام الإيراني يقوم على مبادئ ليبرالية في إدارة الاقتصاد.
أما الملاحظة الثانية فتقول إن الأمة الإيرانية ، ومن موقعها كـ "أمة قوية" إحدى
مكوناتها الأساسية ، إن لم تكن مكوناتها كلها ، أي الطبقات الشعبية والحاكمة على
السواء ، لا تقبل اندماج بلدها في النظام المعولم من موقع التابع الخاضع للهيمنة.
وهناك، بالطبع، تناقض بين هذين البعدين للواقع الإيراني. فالبعد الثاني ، أي البعد
المتعلق بالاندماج في النظام المعولم من موقع غير خاضع ، يفسر اتجهات سياسة طهران
الخارجية التي تبدي مقاومة واضحة لسياسة الإملاءات الخارجية. إنها القومية
الإيرانية ـ القويةو الإيجابية تاريخيا من وجهة نظري ـ هي ما يفسر نجاح التحديث
العلمي والصناعي والتكنولوجي والإمكانيات العسكرية الذي قام به نظام الشاه ونظام
الخميني الذي أعقبه. وتعتبر إيران واحدة من دول الجنوب القليلة (إلى جانب الصين،
الهند، كوريا، البرازيل وربما بعض الدول الأخرى، ولكن ليس الكثير منها !) التي
تمتلك مشروعاً بورجوازيا وطنيا. هذا ولو أن محور نقاشنا هنا لا يتعلق بما إذا كان
ممكنا تحقيق هذا المشروع في المدى الطويل أم لا (وفي رأيي أنه لن يكون ذلك ممكنا ).
وعلى أي حال ، إن المشروع موجود اليوم ، ويعمل على أرض الواقع. ولأن إيران على وجه
التحديد تشكل كتلة حرجة قادرة على القيام بمحاولة جدية لإثبات ذاتها كشريك محترم ،
فإن الولايات المتحدة قررت تدميرها من خلال حرب وقائية جديدة .
من المعروف جيدا أن الصراع يجري حول القدرات النووية التي تطورها إيران. فلماذا لا
يحق لهذا البلد، كما الآخرين ، السعي لامتلاك هذه القدرات ، بما فيها القدرة
العسكرية النووية؟ وبأي حق يمكن للدول الإمبريالية وشريكها الإسرائيلي التبجح بمنح
أنفسها حق احتكار أسلحة الدمار الشامل؟ وهل يمكن للمرء أن يعطي أي مصداقية للخطاب
الذي يؤكد على أن الأمم "الديمقراطيه" لن تستغل هذه الأسلحة على غرار "الدول
المارقة" في وقت يعرف الجميع أن هذه الأمم الديمقراطية نفسها مسؤولة عن كبرى عمليات
الإبادة الجماعية في العصر الحديث، بما فيها إبادة اليهود أنفسهم ، وأن الولايات
المتحدة استخدمت بالفعل أسلحة ذرية مرتين متتاليتين خلال ثلاثة أيام [ هيروشيما
وناكزاكي ] ، وما تزال ترفض حتى يومنا حظرا عاما وشاملا على استخدامها؟
خاتمة
ثمة اليوم ثلاث مجموعات قوى تواجه بعضها بعضا في الصراعات السياسية في المنطقة .
فهناك أولا تلك التي تدعي القومية القديمة (وهي ، في الحقيقة ، مجرد مجموعة الورثة
الفاسدين والمنحطين لبيروقراطيات الحقبة الوطنية ـ الشعبوية البائدة ، كما هي عليه
الحال في سوريا والجزائر ومصر وسواها ). وهناك ـ ثانيا ـ تلك التي تشهر الإسلام
السياسي . أما المجموعة الثالثة فيمثلها أولئك الذين يحاولون الانتظام حول المطالب
"الديمقراطية" المتناغمة مع الليبرالية الاقتصادية . ويُعتبر رسوخُ أي من هذه القوى
في موقع السلطة أمرا مرفوضا من قبل اليسار المعني بمصالح الطبقات الشعبية. وفي
الواقع، إن مصالح الطبقات الكومبرادورية المنضوية في إطارالنظام الإمبريالي الحالي
تعبر عن نفسها من خلال النزعات الثلاث المذكورة . ولا تعمل الديبلوماسية الأميركية
إلا على إبقاء هذه قِطع الحديد الثلاث هذه في كور النار ، بالنظر لأنها تركز على
استخدام الصراعات فيما بينها من أجل خدمة مصالحها الحصرية. وبالنسبة لليسار الذي
يحاول الانخراط على نحو كليّ في هذه الصراعات من خلال إقامة تحالفات مع واحدة من
هذه الإتجاهات أو أكثر ، فإن محاولاته محكوم عليها بالفشل (7) . (تندرج في إطار هذه
المحاولات سياسة بعض هذا اليسار في تفضيل الأنظمة القائمة حالياً تجنبا للأسوأ ، أي
الإسلام السياسي، وسعي بعضه الآخر لأن يكون مقبولا كحليف من قبل الإسلام السياسي
بهدف التخلص من تلك الأنظمة). إن واجب اليسار الحقيقي هو العمل على تأكيد ذاته من
خلال الاضطلاع بالكفاح في المجالات التي يجد مكانه الطبيعي فيها : الدفاع عن
المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية ، والدفاع عن الديمقراطية ، وتأكيد
السيادة الوطنية ، بوصفها أقانيم ثلاثة متكاملة غير قابلة للتجزئة .
تشكل منطقة الشرق الأوسط الكبير اليوم بؤرة الصراع بين الزعامة الإمبريالية
الأميركية وشعوب العالم برمتها . وإلحاق الهزيمة بمشروع المؤسسة الحاكمة في واشنطن
شرط أساسي من شروط توفير إمكانية إحراز تقدم في أي منطقة من مناطق العالم. وسيكون
من شأن الفشل في ذلك إبقاء " الإنجازات " المتحققة في حالة هشاشة إلى حد بعيد . ولا
يعني هذا بحال من الأحوال الاستخفاف بأهمية النضالات الجارية في مناطق أخرى من
العالم ، سواء في أوروبا أو أميركا اللاتينية أو في أي مكان آخر. إنه يعني فقط وجوب
أن تكون هذه النضالات جزءا من منظور شامل يساهم في هزيمة واشنطن في هذه المنطقة
التي اختارتها ساحة لتنفيذ ضربتها الإجرامية الأولى في هذا القرن..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ النص فصل من كتاب / مخطوط : " الإمبريالية والإسلام السياسي " ، تحرير
ومراجعة وتقديم نزار نيوف .. وهو مترجم عن الإنكليزية كما نشر في العدد 7 ، مجلد 59
، من شهرية " مونثلي ريفيو" الأميركية اليسارية العريقة ،ومدقق استنادا إلى الأصل
الفرنسي الوارد كفصل أول في كتاب سمير أمين Pour la Cinquième Internationale ( من
أجل الأممية الخامسة) ، تحت عنوان "L'Islam politique au service du déploiement
impérialiste ، منشورات Temps des Cerises في باريس. والمترجمة ، انتصار العزيزي ،
صحفية أردنية عملت رئيسة لقسم المعلومات في دائرة الشؤون الفلسطينية التابعة لوزارة
الخارجية الأردنية ، ورئيسة تحرير مناوبة للأخبار في إذاعة " سوا " الأميركية ،
وتعمل منذ العام 2005 مسؤولة في المكتب الإقليمي لمؤسسة " غلوبال أكشن " البريطانية
بدبي.
(1)ـ المقصود : لوي دو بونالد (1754 ـ 1840 ) : سياسي وفيلسوف فرنسي كاثوليكي متطرف
ناهض الثورة الفرنسية وناصر الملكية . عين بعد عودة آل بوربون إلى السلطة في العام
1841 قنصلا (وزيرا) مسؤولا عن التعليم ثم عضوا في الجمعية التشريعية فوزير دولة ، و
عضوا في الأكاديمية الفرنسية خلال الفترة ذاتها . من أشهر أعماله Theorie du
pouvoir politique et religieux ( نظرية السلطة السياسية والدينية ) الذي صدر في
العام 1796 في ثلاثة مجلدات .[ ملاحظة من المحرر : ن . نيوف ].
... و جوزيف دو ميستير (1753 ـ 1821) : محام وديبلوماسي وفيلسوف كاثوليكي فرنسي .
يعتبر من أكثر مناهضي الثورة الفرنسية شهرة وتأثيرا في حقبة ما بعد الثورة . دعا
إلى عودة ملكية آل بوربون إلى السلطة ، وإلى سيطرة الفاتيكان غير المباشرة على
فرنسا . من أشهر أعماله ، على صغر حجم العمل ، كتيبه Essai sur le principe
générateur des constitutions politiques et des autres institutions humaines (
مقال في الأساس النشوئي للدساتير السياسية والفوانين البشرية الأخرى ) الذي صدر في
العام 1809 . ويركز فيه على فكرة أن الدساتير ليست نواتج يصنعها البحث والدراسة ،
وإنما استحقاق زمني ونواتج لظروف مناسبة يقررها الله . [ ملاحظة من المحرر: ن .
نيوف ].
(2)ـ آثرنا ترجمة تعبير communitarianism بـ " المشتركية " . وتقوم المشتركية على
نظرية " الهويات الثقافية الجماعية" بوصفها فكرة محورية في فهم الواقع الاجتماعي
المتحرك . وقد اشتقينا ذلك بالقياس إلى مفهوم " المشترَك " كمرادف عربي لـ
Community وضعه المفكر والمؤرخ المصري المبدع أحمد صادق سعد في كتابه " تاريخ مصر
الاقتصادي والاجتماعي في ضوء نمط الإنتاج الآسيوي ، دار ابن خلدون 1979" . [ ملاحظة
من المحرر : ن . نيوف].
(3) ـ المقصود : آلان تورين ( 1925 ـ ...) : أحد أهم علماء الاجتماع المعاصرين في
فرنسا وأوربا والعالم الفرانكوفوني ، والأنكلوفوني إلى حد ما ، وكبير باحثي مدرسة
الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس. عرف ببحثه الضخم ذائع الصيت "
سوسيولوجيا العمل " ( 1965) المكرس للمجتمع مابعد الصناعي ( أصدرته وزارة ا
لثقافة السورية في الثمانينيات بترجمة لصفوح الأخرس . وهو الكتاب الوحيد المترجم له
إلى العربية في حدود علمنا) . كما ودرس الحركات الاجتماعية المعاصرة في أوربا
وأميركا اللاتينية ، مع تركيز على " نقابة التضامن " البولندية التي كرس لها في
العام 1983 عملا خاصا بها بعنوان " حركة التضامن : تحليل حركة اجتماعية " . ويعتبر
تورين من مثقفي الحزب الاشتراكي الفرنسي ، حيث ، وفي لفتة منه غير عادية كمثقف كبير
، نشر مؤخرا بالاشتراك مع رئيسة الحزب ، ومرشحته الرئاسية ، سيغولين رويال ، كتابا
بعنوان " إذا ما أراد اليسار أفكارا " . ومع ذلك فإن الفيلسوف الفرنسي الماركسي
جورج لابيكا لا يتردد في وصفه على نحو ساخر ، في مجالسه الخاصة طبعا ، بأنه "
المخبر السوسيولوجي " لدولة رأس المال ومرشد أجهزة مخابراتها إلى تفكيك وتفتيت
معارضيها بطريقة ...علمية ! ( طبعا يبقى الأمر أفضل من تفكيكها بالكرباج على
طريقتنا العربية !) . [ ملاحظة من المحرر: ن . نيوف ] .
... أما نيغري ، فالمقصود به توني نيغري ، والمعروف أحيانا بأنطونيو نيغري ( 1933 ـ
..) : فيلسوف " ماركسي " إيطالي يعتبر من أكثر مثقفي أوربا إثارة للجدل في القرن
العشرين ، سواء على مستوى سيرته الشخصية أم الثقافية ـ السياسية . فقد بدأ حياته
العملية عضوا في منظمة إيطالية شبه فاشية مشبعة بالأفكار الأصولية الكاثوليكية ،
لينتهي عضوا في العديد من الأحزاب والمنظمات الاشتراكية والماركسية الراديكالية
الفرنسية والإيطالية و ... مبشرا بـ " أممية الفاتيكان " و البابا يوحنا بولس
الثاني ـ وكيل مشاريع المخابرات الأميركية ، بوصفه زعيما للطبقة العاملة ومؤسس "
الأممية الخامسة " كما يجتر من ورائه أيضا الصحفي اللبناني وسام سعادة الذي بدأ
مريدا من مريدي سمير قصير والماركسية وانتهى مريدا من مريدي سمير جعجع والبطريرك
صفير ! وكان نيغري اتهم بالضلوع في اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي ألدومورو في العام
1978 ، وبالعلاقة مع منظمة " الألوية الحمراء " . وقد اعتقل وحكم عليه بالسجن
ثلاثين عاما ، وانتخب ـ وهو رهن الاعتقال ـ عضوا في البرلمان الإيطالي ( العام 1983
) عن إحدى المنظمات اليسارية . وأطلق سراحه بعد ذلك ليحاكم وهو خارج السجن. وعلى
الفور غادر إلى فرنسا ليبقى فيها 14 عاما ، عمل خلالها أستاذا في جامعة باريس
الثامنة ( جامعة سان دينيز أو جامعان فانسن ) التي أسسها ميشيل فوكو . وقد خاض
أصدقاؤه الفلاسفة الفرنسيون ( ميشيل فوكو ، جيل دلوز وآخرون) معركة إعلامية من أجله
. كما أنه حظي بحماية الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران الذي كان أطلق ما عرف بـ "
عقيدة ميتيران " في مواجهة المحاكم والقوانين الإيطالية " المضادة للإرهاب " التي
وصفها ـ أي ميتيران ـ بأحط النعوت التي لا تنطبق إلا على محاكم الديكتاتوريات
الإرهابية . وكان نيغري أسس في العام 1969 منظمة Potere Operaio ( سلطة العامل) .
كما أنه حصل على درجة الأستاذية في الجامعة في فترة مبكرة من حياته عن أطروحته
dottrina dello Stato ( عقيدة أو مذهب الدولة) . له مؤلفات عديدة ، بعضها بالاشتراك
مع ميشيل هاردت ، من أشهرها " الحرب والديمقراطية في عصر الإمبريالية " ، "
سبينوزا" ، " سلطان ميتافيزيقية و سياسة سبينوزا" ، " ديكارت السياسي : العلة ،
الأيديولوجية و المشروع البرجوازي" ، " سياسة التدمير : بيان من أجل القرن الواحد
والعشرين " وغيرها . [ ملاحظة من المحرر: ن . نيوف] .
(4) ـ المقصود أبو الأعلى المودودي ( 1903 ـ 1979 ) : ولد في مقاطعة حيدر باد
الهندية ، ويعتبر الأب الروحي للإسلام السياسي الجهادي والفكر التكفيري قي العصر
الحديث ، أو " ابن تيمية المعاصر" ، فيما تعتبر " الجماعة الإسلامية " التي أسسها
في العام 1941 الأم الروحية للجماعات التكفيرية التي ظهرت لاحقا . وأشار إليه فقهاء
إسلاميون آخرون بوصفه " أمير الدعوة الوهابية في شبه الجزيرة الهندية " . وتشير
وثائق أميركية نشرت بعد وفاته في نيويورك إلى أنه أقام علاقات وثيقة بوكالة
المخابرات المركزية الأميركية و الـمخابرات الخارجية البريطانية ، أي المخابرات
العسكرية (MI6 ) ، وكان ينسق معهما في ما يسمى بـ " مكافحة الشيوعية " في آسيا .
أما ما قصده الكاتب بـ " صاحب الجلالة " ، فهو الملك جورج السادس ، ملك بريطانيا
خلال الفترة 1936 ـ 1952 . [ ملاحظة من المحرر: ن . نيوف] .
(5) ـ حين مجيئي إلى فرنسا صيف العام 2001 للعلاج ، بعد إطلاق سراحي من سجون النظام
السوري ، كان وزير الصحة الفرنسي برنار كوشنير ( وزير الخارجية الراهن ) يزورني بين
الحين والآخر في مشفى " بيتييه سالبترييه " بباريس فنتناقش في قضايا شرق أوسطية
مختلفة ، رغم قصر وقت زياراته . وقد كشف لي خلال أحد النقاشات عن أن عددا من
أصدقائه المثقفين الفرنسيين تولوا التنسيق مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية
وجهاز الموساد الإسرائيلي والأمير بندر بن سلطان لمساعدة إرهابيي الطالبان وأحمد
شاه مسعود على إدارة حربهم الإعلامية ضد نظام نجيب الله ، سواء من خلال إعداد نشرات
الأخبار أو البرامج الموجهة أو حتى تزويد عصابات الطالبان وأحمد شاه مسعود بوسائل
البث التقنية ( إذاعات محلية و محطات تقوية .. إلخ ) . وكشف لي كوشنير أن أحمد شاه
مسعود كان من أصدقائه الشخصيين . كما وذكر لي بالاسم " الفيلسوف " والصحفي الفرنسي
برنار هنري ـ ليفي ، الوثيق الصلة باللوبي الصهيوني في فرنسا و الأشهر من أن يعرّف
، وشخصيات ثقافية وإعلامية فرنسية أخرى نسيتها من الذين كانوا يدعمون الأصوليين
ميدانيا في أفغانستان بالتعاون مع ضباط الـ CIA و المخابرات السعودية . وقد أكدت
هذه المعلومات في السنوات اللاحقة وسائل الإعلام الغربية التي كشفت عبر تحقيقات
وتقارير موثقة عن الدور القذر الذي لعبه مثقفون وصحفيون فرنسيون في دعم الطالبان
بدعوى " نشر الليبرالية والديمقراطية في وجه نفوذ النظام الشمولي السوفييتي "! وهي
"الليبرالية الوهابية " نفسها التي يتولى الأمير بندر بن سلطان و ديفيد وولش نشرها
اليوم في لبنان وسوريا وأماكن أخرى ! ومن المعلوم أن برنار هنري ـ ليفي لم يكن
يتردد ( قبل " غزوة نيويورك الليبرالية ـ الوهابية " بالطبع ) في كتابة المقالات
الداعمة لجورج بوش والطالبان ، بل وأسامة بن لادن شخصيا ، بشكل دوري في أسبوعية "
دير شبيغل " الألمانية و Atlantic Monthly الأميركية التي يديرها المحافظون الجدد!
[ ملاحظة من المحرر : ن . نيوف ].
(6) ـ لا يعتمد سمير أمين في تقريره هذه الوقائع على مجترات صحفية ، بل على دراسات
أمبريقية قام بها هو شخصيا خلال الستينيات والسبعينيات ، لعل أبرزها ( فيما يخص
العراق وسوريا) كتابه الذي لم يترجم أبدا إلى العربية : Irak et
Syrie(1960-1980):du projet national a la transnationalisation( سوريا والعراق :
من المشروع الوطني إلى الإنخراط العالمي ( لم نجد عبارة أنسب منها للدلالة على ما
عناه في الكتاب لجهة الانخراط في السوق الرأسمالية العالمية . وفي حديث سابق معه
أخبرني بأنه كان يود استخدام Compradorization بدلا منه ). ويعتبر أمين ، وإيمانويل
فيلرشتاين و جيوفاني أريغي و أندريه غوندر فرانك وآخرون قلائل ، من أشهر مفكري
القرن العشرين الذين لم يسمحوا لأنفسهم بالتنظير دون المرور بمرحلة إجراء أبحاث
أمبريقية ميدانية واسعة النطاق في مجال تخصصاتهم . [ ملاحظة من المحرر : ن . نيوف ]
.
(7) ـ التحالفات التكتيكية التي تنشأ عن وضع محدد أمر آخر ، كما حصل مثلا حين شارك
الحزب الشيوعي اللبناني مع حزب الله في التصدي للغزو الإسرائيلي صيف العام 2006 . (
ملاحظة من منثلي ريفيو ).