الأزمة الدبلوماسية بين تركيا وروسيا.. النتائج والأبعاد
من الواضح أن تركيا -عضو حلف شمال الأطلسي- تقف حاليا في مواجهة أصعب أزمة سياسية خارجية في تعاملها مع طرفي الصراع الروسي الجورجي من جهة، والتوتر الروسي الأميركي من جهة أخرى.ولعل هذه الصعوبة كانت المحرك الأكبر للجهود والتحركات الدبلوماسية المكثفة التي قامت بها مؤخرا علها تسهم في احتواء تداعيات أزمة متصاعدة في منطقة القوقاز تدرك تركيا جيدا أنها ستؤثر بشكل مباشر على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة.. تداعيات قد ترغمها في النهاية على الانحياز إلى طرف ما.وهذا أكثر ما تخشاه تركيا وتحاول مستميتة تجنبه لأن لها مع كل طرف مصالح حياتية لضمان استمرار نفوذها ودورها كدولة حياد وثقة في المنطقة.تركيا، ولعلمها بخطورة الموقف وأيضا صعوبة الخيار والاختبار الإقليمي الجديد الذي وجدت نفسها فيه، تحاول أن تثبت حياديتها أمام أطراف الصراع من جهة، وتكثيف دبلوماسيتها الوقائية من جهة أخرى، فكان لها أن طرحت مشروعا يدعو إلى تشكيل حلف متعدد الأطراف والأقطاب للتعاون والشراكة والأمن في منطقة القوقاز.هي تراهن على أن هذا المشروع قد يسهم في تقليص تأثيرات المواجهة الروسية مع الغرب على مصالحها الإستراتيجية بالدرجة الأولى، بينما تهدف في نفس الوقت إلى تجميع دول الجوار الإقليمي تحت مظلة التفاهم، ووضع التصورات المشتركة من أجل حفظ الاستقرار في المنطقة عموما.
تركيا في دوامة الصراع
قلق على العلاقات التركية الروسية
لقد كان
تحذيرا قاسيا من روسيا، جاء عبر الجنرال أناتولي نوغوفيشن نائب رئيس هيئة الأركان
الروسي إذ نبه إلى خطورة الموقف مع تركيا إذا لم تخرج سفن الناتو من البحر الأسود
في غضون 21 يوما.وقال نوغوفيشن إن "البحر الأسود يغلي بالسفن الحربية.. اتفاقية
مونترو للمضايق لا تسمح لدولة من خارج حوض البحر الأسود بإدخال سفينة حربية إلى
البحر الأسود تزيد حمولتها الإجمالية عن 45 ألف طن، على أن تكون المدة الأقصى
لبقائها 21 يوما.. ونحن حاليا بانتظار انتهاء هذه المدة، وإذا لم تخرج سفن الناتو
من البحر الأسود في الوقت المحدد فإن تركيا ستكون أول المسؤولين عن ذلك".لكن الجملة
الأخطر كانت من خلال كشفه أن هذه السفن تحمل صواريخ "توماهوك" المجنحة ذات الرؤوس
النووية، إذ قال "حاليا هناك نحو 100 صاروخ للناتو في البحر الأسود.. وهذه الصواريخ
إلى جانب قدرتها على الوصول إلى القوقاز حيث توجد روسيا، قادرة كذلك على الوصول حتى
إلى مدينة سان بطرسبورغ على سواحل البلطيق.. لهذا من الطبيعي جدا أن نستفسر عن
أسباب وجود هذه القوى".لقد شعرت تركيا بقلق كبير عندما حملتها روسيا مسؤولية عبور
السفن الحربية التابعة للناتو لمضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يربطان البحر
المتوسط بالبحر الأسود.ورغم اعتراض تركيا في بداية الأمر على عبور هذه السفن لعلمها
بأن ذلك سيعرضها لغضب روسي هي في غنى عنه، فإنها في النهاية لم تتمكن من مقاومة
الضغط الأميركي أو بالأحرى بعدما وضعت واشنطن يدها على موضع الجرح بتذكير تركيا
أنها عضو في الحلف الأطلسي وبالتالي عليها تنفيذ القسم المتعلق بها من واجباتها في
الناتو رغم أن ذلك قد يكلفها غاليا.ومع ذلك رضخت تركيا للأمر الواقع كيلا تشذ عن
قاعدة الناتو، لكن بعض الخبراء الإستراتيجيين رأوا أنها تحاول كسب بعض الوقت، أي
أنها تنفذ البنود الشرعية للناتو التي يسمح بها ضمن مدة معينة، بينما تحاول خلال
هذه المدة صياغة أفكار وإستراتيجيات تجنب وقوع مثل هذه المواجهات.
وقعت اتفاقية
مونترو في سويسرا عام 1936 بمشاركة الاتحاد السوفياتي وتركيا وبريطانيا وفرنسا
واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا وغيرها.و
المعوقات الجمركية التي
فرضتها موسكو على دخول عشرات الآلاف من الشاحنات التركية للأراضي الروسية بالتزامن
مع التوتر بين روسيا والناتو الناتجة عن الصراع مع جورجيا، كانت بمثابة محاولة
لإبراز العضلات التجارية الروسية ضد تركيا.وطبقا لوصف الخبراء فقد كانت محاولة
روسيا ناجحة، باعتبار أن الرد القاسي لوزير التجارة الخارجية التركي كورشاد توزمان
عندما قال بأنهم سيتخذون إجراءات عقابية مماثلة ضد روسيا.. يبدو أنه جاء متسرعا،
وسرعان ما ارتطم بحائط مجلس الوزراء التركي الذي استشعر أن بوادر شقاق محتمل مع
روسيا سيؤثر على حجم التجارة الكبير بين البلدين فرفض المصادقة على مثل هذه
الإجراءات
وبالتفريق بين العاطفة والمنطق فإن مصالح تركيا في روسيا أكبر بكثير من مصالح روسيا في تركيا بدليل ارتفاع أصوات المتعهدين الأتراك ورجال الأعمال الذين حذروا من مخاطر تعرض بعض البضائع التركية للتلف جراء تأخير تسليمها للموردين، فضلا عن الغرامات التي تصل ألف يورو عن كل شاحنة لكل يوم تأخير.
لقد بررت روسيا موقفها بتفتيش الشاحنات التركية بأنه جاء تنفيذا لقانون جمركي جديد، وهو تبرير لم يقنع بالتأكيد حكومة أنقرة التي استشفت منه دوافع أخطر، مع أنها ترى أن موقفها من الأزمة القوقازية كان سليما محايدا ومتوازنا بما أنها كانت على مسافة واحدة بين طرفي النزاع العسكري: روسيا وجورجيا، إذ رغم أنها أعلنت دعمها لوحدة الأراضي الجورجية فإنها لم تدن العمليات العسكرية الروسية صراحة.لكن، إذا استمر تصاعد التوتر في القوقاز فربما لن تجد تركيا موقعها مغريا أبدا وهي التي تبذل قصارى جهدها كي تصبح مركزا للطاقة لتوريد النفط والغاز من بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية والتي كثيرا ما تفاخر بموقعها الجغرافي الإستراتيجي المهم.وأمام هذه المعضلة والمعادلة الصعبة، يزن الخبراء ثقل تركيا بين أن تكون بجانب روسيا أو ضدها مع الولايات المتحدة، فالبعض يرى أن وقوف تركيا إلى جانب موسكو قد يعزز فرصها في أن تصبح مضخة لتدفقات النفط القادمة من منابع احتياطيات النفط والغاز الأكبر في العالم من آسيا الوسطى وبحر قزوين وروسيا وكزاخستان، إلا أن ذلك بالمقابل قد يضعها في مواجهة الاستهداف الأميركي لها.
وإذا كانت واشنطن غير
قادرة لحد الآن على مسامحة تركيا لخذلانها إياها في العراق عندما رفضت مرور جنودها،
فكيف لها أن تغفر لها خذلانها أمام روسيا! والذي قد يؤدي بالنتيجة إلى تعاظم النفوذ
الروسي ومعه الإيراني في المنطقة.وبالتالي فإن واشنطن لن تتوانى في استخدام كل
أسلحتها الدولية ضد أنقرة وهي كثيرة، وتتمثل في تحريك المياه الراكدة لتقويض
استقرار تركيا، وفي مقدمتها إحياء الصراع الكردي من جهة العراق وفي جنوب شرق تركيا،
وهو ما سيكون من أفدح الأضرار بالنسبة لتركيا، بالإضافة إلى التحريض بينها وبين دول
الجوار -طبعا بمساعدة إسرائيلية- عدا عن استخدام أقوى أوراقها المتمثلة في تبني
مزاعم الأرمن ضد تركيا بالإبادة الجماعية ودعم طموحاتهم في اقتطاع شيء من أراضيها،
وأيضا دعم الموقف اليوناني إزاء استقلالية دولة قبرص التي ترفض أنقرة الاعتراف
بها.لكن الورقة الأكبر والمصيرية لدى تركيا تبقى بالتأكيد على الصعيد الأوروبي، حيث
إن الولايات المتحدة قادرة على نسف كل طموحات تركيا وعرقلة دخولها إلى الاتحاد
الأوروبي، خصوصا أن الدول الأقوى في الاتحاد -مثل فرنسا وألمانيا والنمسا- تعارض
أساسا العضوية التركية.ومن هنا يبدو أن أنقرة في موقف لا تحسد عليه وكل الخيارات
المتاحة أمامها ستكون مؤلمة إذا ما وصلت مرحلة الاضطرار المصيري لتسمية الجهة التي
ستقف بجانبها.لهذا، يبقى الخيار العقلاني الأفضل بالنسبة لأنقرة في الوقت الحالي هو
المراهنة على تكثيف الدبلوماسية الوقائية لمنع توسع دائرة الصراع، إلى جانب صياغة
حلول سريعة لتفادي التورط في صراع هي في غنى عنه.
كاتب فلسطيني