«حماس» الوائدة....!
أيمن اللبدي
الحوار الفلسطيني في القاهرة فشل، و«حماس» أفشلت هذا الحوار حتى قبل أن يبدأ، والقاهرة أعلنت عن التأجيل حفظاً لماء الوجه، وهي بذلت قصارى جهدها وأكثر، والجامعة العربية عليها انتظار حلقات أكثر سخونة في المشهد القادم إن آثرت الصمت، والقمة العربية المقبلة في آذار ستجد مقصلة حالة ازدواجية سياسية فلسطينية، وبنيامين نتينياهو سيكون سعيداً قبل ذلك وبعده في إنهاء ما تبقى من أراضي الضفة والقدس، والأردن الذي ينتظر أن تعاونه «حماس» في درء خطر التوطين، سيجدها عزقة في دولاب هذا التوطين والتقاسم الوظيفي المفروض فرضاً، وسكان الضفة الفلسطينية، سيكونون مجرّد ساكني مناطق حاملين للجنسية الأردنية ربما بتابعية فلسطينية لحالة في غزة وتدار شؤونهم من الأردن، حيث أي دولة فلسطينية بحدود مؤقتة أو بحدود متهادن عليها مكانها قطاع غزة، ولا بأس ببعض ألعاب الأوراق الإيرانية أو الدولية، عندما الخطوة القادمة عنوانها الحوار الأمريكي – الإيراني برعاية إدارة جديدة، والتنافس الأمريكي – الروسي في مناطق النفوذ.
هذه خلاصة لقراءة متأنية لعدد من المدخلات الهامة، فتلكم «حماس» لم تكن تتصرف أنها فصيل فلسطيني مؤخراً، وهي منذ إنجاز فصل قطاع غزة عبر انقلابها الدموي الحز يراني، بدأت تتعامل ك« بديل» وليس مجرّد « فصيل» مهما كان حجمه في الساحة الفلسطينية وشتان، وقيادة «فتح» - وقيادة منظمة التحرير معها- كانت تخطيء القراءة بكل تأكيد، وتأخير العلاج الفوري واحد في أسبابه غياب حزم القيادة الكافي، وهكذا بعد استشهاد الرئيس عرفات والذي يصادف إعلان «فشل الحوار» مع حلول الذكرى الرابعة لاستشهاده، ضمانات الوحدة الفصائلية كانت هدفاً سهل المنال كما يبدو، والإنجاز الذي حققته «حماس» لم يكن في خيال أعتى مخططي الصهيونية، ولا حتى مخططي الاستراتيجيا «الإسرائيلية»، ولكنه جاء تماماً كما أراده الجنرال شارون، وهو ما لن يفرّط به نتينياهو مهما كانت الظروف.
لم يكن مفاجئاً أن لا تستطيع القاهرة إنجاز ما كانت تأمله، والذي لم يستطع المراقب بدقة كافية بعد الوصول إليه، هو دور الإقليم العربي في الوصول إلى هذا المسار، وليس ما تحاول الوسائل المقرّبة من «حماس» التعمية به في مسألة ما تسميه بالــ« فيتو» الأمريكي أو حتى «الإسرائيلي»، على حوار جدي فلسطيني، يقود إلى إعادة تشكيل الصورة الفلسطينية، على برنامج يوحّد الفلسطينيين في موضع يحد من هامش المناورة الواسع أمام الحكومة «الإسرائيلية»، في مسألة الاستحقاقات الدولية بضرورة إيجاد حل عبر تحقيق الدولة الفلسطينية وفق ما تضمنه القرارات الدولية ذات العلاقة، أو حتى برنامج كفاحي – تفاوضي لا تجد فيه المنظومة الدولية حرجاً من دعمه وتبنيه، وبالتالي من جديد إبقاء الطرف الفلسطيني بعيداً عن الحشر في الزوايا، ذلك أن حتى منتهى ما كانت تحاوله حكومة أولمت في مفاوضاتها طيلة الوقت الماضي، في مسألة الأرض الفلسطينية والمفاوضات عليها، هو مقايضة نسب صغيرة من الأرض لا تتجاوز 5%، في الوقت الذي كان المفاوض الفلسطيني متسلحا بهذه القرارات يرفض التنازل عن هذه النسبة حتى اللحظة الأخيرة، ولم تستطع معه هذه الحكومة أن تعود إلى أسطوانة غياب الشريك ولا قائمة التهم التي استخدمتها حكومة باراك سابقاً.
سوريا رئيس القمة العربية والمفترض أنها حامل ملف المبادرة العربية، أو ما كان حتى قبل القمة التي عقدت في دمشق تسمى بالمبادرة اليمنية، لم يلمس لها في مجال هذا الحوار وضرورة إنجاز هذا الملف- سيما وهو من ملفات رئاستها للقمة-، سوى تأييد الدور المصري وتركه بعد ذلك أمام مناورات «حماس» واشتراطاتها المتناسلة، فبعد أن ملأت «حماس» العالم ضجيجاً وهي ترفض الحوار مع أي شروط مسبقة من الرئاسة الفلسطينية، وبعد أن تخلت الرئاسة الفلسطينية وعبر مبادرات متتالية عن كل شروطها التي هي في واقع الأمر، شروط ضمان إعادة موضعة «حماس» بما هي عليه فعلاً، أي كفصيل فلسطيني مهما كان حجمه ودوره، وليس كبديل عن مجمل النظام السياسي الفلسطيني بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة الولاية السياسية والقانونية والشرعية على الفلسطينيين، ومصدر تفويض تجربة السلطة الفلسطينية التي كانت «حماس» حتى ما قبل انقلابها على نفسها وعلى النظام السياسي الفلسطيني فصيلا فيه وشريكاً به، حتى بعد هذا كله تأتي «حماس» اليوم لتفشل هذا الحوار من باب الاشتراطات المتناسلة الخاصة بها.
من المؤكد أنه حتى لو تم الاستجابة لآخر ما في جعبة «حماس» من تعطيلات على شكل شروط، فإن «حماس» لم تكن لتنصاع ولم تكن لتشترك في هذا الحوار، وذلك على ضوء مجموعة المدخلات التي تشكّل قاعدة هذا الاستنتاج، وليس غريبا في هذا الشأن تصريح السيد نبيل شعث الذي بثه على استحياء مؤخراً، بأن «فتح» استجابت لجملة من اشتراطات «حماس» التي جوهرها إجرائي، وأبلغت القاهرة بذلك في اللحظات الأخيرة قبل إعلان التأجيل، ولكن رغم ذلك فإن «حماس» أخرجت لسانها للقاهرة وللشعب الفلسطيني وفصائله جميعاً، مثلما هي أخرجت من قبل لسانها للموروث الكفاحي والديموقراطي الفلسطيني بالكامل عبر انقلابها الأسود.
المرور باشتراطات «حماس» الإجرائية في مسألة حضور الرئيس عباس، وقيادته وفد حركة «فتح»، وجلوسه إلى المنصة على يمين الراعي المصري، وجلوس خالد مشعل على يسار الراعي، هي في نظرنا أهم ما في جملة شروط «حماس» الإجرائية هذه، وحتى بقية ما أثارته من نقاط أخرى لا هدف لها إلا الإيحاء بوجود كتلة عوائق، لأن الهدف كان هو باختصار وضع صورة أولية لشكل الاذدواجية السياسية، أو ثنائية الرأس هذه التي في حسابات «حماس»، وذلك كخطوة في طريق مشروع البديل الذي تحلم به «حماس» منذ يوم قامت وبدأت على الساحة الفلسطينية، من باب الانتهازية السياسية متغطية بشعارات المقاومة التي كانت طالما تلعنها وتصف أبطالها وشهداءها بأقذع الصفات، وبأسلوب السخرية والغطرسة والغرور، المنبعث عن مرض نفسي فكري وسياسي وعقدي، يقوم على وهم احتكار الصوابية، والخيرية، ولو فعل الرئيس عباس ووافق على هذا الشرط، لكان أخطأ سياسياً خطئاً رئيساً، فالواقع أن هذه الصورة كانت ستعني أن الخلاف في حده الأول هو خلاف سلطوي، وإذا كان الأمر كذلك فأية سلطة تحتاج إلى راعي لإصلاح تمرّد جزء منها؟ أما في حدها الثاني فهي كانت ستتناول على أنها خلاف شرعية تمثيل مع منظمة التحرير، وليس خلافاً بين فصائل في منظمة التحرير مع ما أحدثته «حماس» في الواقع الفلسطيني.
هل يمكن في الوضع الطبيعي حيث النوايا حسنة، أن يقول وفد فصيل ما ، أو جهة ما ، أو شركة تجارية، أنه لن يستطيع الحوار أو أن يشرع في مفاوضات، طالما أن قيادة له في مكان آخر لا تستطيع الوصول لسبب أو لآخر؟! وإذا كان ذلك من الشروط، فلماذا تعاملت «حماس» باستخفاف واحتقار عندما أشعرت «فتح» في بداية مشوار الإعداد لهذا الحوار القاهرة، رغبتها في أن يمثلها في وفدها المحافظون المعتقلون في غزة لدى «حماس» ؟! مع أن هؤلاء هم قادة سياسيون اعتقلوا على خلفية وضعهم التنظيمي والوظيفي، وليس على خلفية حيازة أسلحة ومتفجرات وتشكيل «قوى تنفيذية»، مصحوبة بتهديدات من كبار قادة ووجوه «حماس» حتى النيابية منها، مع تغطية إعلامية صاخبة من أدواتها الإعلامية الداعية باستمرار للتحشييد الفتنوي، والتجييش الإنعزالي، بتكرار ما حدث في قطاع غزة قريبا في الضفة، ومع أن الاعتقال أمني في معظمه، فإنه في نظرنا يتوجب على السلطة الفلسطينية أن تكتفي بمسألة منع استخدام الأدوات القتالية لهذا الشأن، وليس احتجاز الأفراد، رغم كل أجواء ومحاذير ذلك ليكون هذا بمثابة تكريس ضمانات وطنية داخلية للنسيج الاجتماعي، هذا طبعا ناهيك عن أن بعض من تطلب «حماس» حضورهم هذا الحوار كشرط ليسوا معتقلين، وطبعا يراد أن يقال أن الرئاسة وحكومة فياض لا تستطيع تأمين خروجهم فهي دون سيادة وتحت الاحتلال، أما سابقا عندما كان قادة «حماس» يلجأون لهذه السلطة ذاتها في الحصول على أذونات السفر إياها عبر تنسيق السلطة، فلم تكن «حماس» تحتاج أن تثير مثل هذه الزوابع؟! في الواقع كل الأراضي الفلسطينية لا زالت تحت الإحتلال ولم يقل أحد حتى الساعة خلاف ذلك، لكن «حماس» تتقن دوماً مسألة الاستهتار بالآخرين ، واستخفاف العقول!
لماذا لا تقول «حماس» الحقيقة كاملة في حكاية رفضها للحوار؟
هنالك ثلاث مسائل أساسية تشكل في الواقع سبب تعنت «حماس»، بل وسبب رفضها المستقبلي أيضا لأي حوار فلسطيني فصائلي، فالوحدة الوطنية الفلسطينية متحققة بالرغم من مناورات «حماس»، لأن الأرض الفلسطينية قانونيا وسياسيا حتى الساعة واحدة، ولأن النظام السياسي الفلسطيني حتى الساعة واحد رغم الانقسام الذي أحدثته «حماس»، ولأن القضية الفلسطينية حتى الساعة في عهدة قرار وطني مستقل، دفعت عنه منظمة التحرير الفلسطينية حتى آخر رمق ممكن، ولن يغيّر هذا الواقع الواحد للشعب الفلسطيني نفسه، في وحدته الوطنية إلا فقدان هذه الركائز، ولعل مشروع «حماس» كما يظهر، قائم على استهداف هذه الركائز جملة واحدة، وتحت ستار شعارات «حماس» المقاوماتية، تقوم «حماس» بدورها الانتهازي في هز أركان هذه الوحدة الوطنية.
في مسائل تأجيج غرائز ورغبات «حماس»، والقوة الخفية التي دبت في عروقها كما ظن بعض المراقبين «فجأة»، لكي تبدو متمردة على الإجماع الوطني الفلسطيني بضرورة استعادة عناصر القوة الفلسطينية، ولكي تخرج لسانها ليس فقط للدولة المصرية والحكومة المصرية، بل وللجامعة العربية برمتها، هنالك أسباب ورهانات سياسية واضحة.
في المستوى الوطني الداخلي الفلسطيني، «حماس» تراهن على ورقة انتهاء ولاية الرئيس عباس في يناير القادم، وهي ترى في هذه الفرصة الذهبية لتدشين مرحلة البديل على الأرض، من خلال إعلان النائب بحر عنها في موضع رئاسة السلطة بالوكالة، وهي طالما أبدت منذ فترة تفننها في اشتقاق التسمية التي تريد أن تخاطب بها الرئيس عباس عقب هذا الاستحقاق، وفي هذا المستوى فإن «حماس» ليست مستعدة للتفريط بهذه الورقة التي تعتبرها كنزاً سياسيا على طريقتها، ومما تسرّب عن نجوى بعض قادة «حماس» في هذه المسألة، رهانهم على طبيعة الرئيس عباس القيادية، ورغبته في عدم المواجهة، من خلال تكثيف الضغوط التي حسبما يتوقعون ستفضي إلى إجبار الرئيس عباس على مغادرة الموقع أو حتى الانسحاب من الحياة السياسية، رغبة في عدم إمكانية أن يحتمل رسماً غالياً من الدم الفلسطيني الذي يجري التحضير لطقوس إراقته وسفكه، لا سيما وأن هذه الفكرة تستند إلى فرضية أن وضع حركة «فتح» الداخلي سيبقى متفسخاً، وأن الأخيرة لن تنجح في عقد مؤتمرها حتى ذلك الموعد.
في المستوى «الحمساوي» الداخلي، فإن الطغمة العسكرية التي هللت ونفذت الانقلاب الدموي الأسود في حزيران من العام 2007، والتي أوصلت عناصرها ومحازبيها إلى قيادة شورى الحركة قبل عدة أشهر، والتي تمسك على كل المغانم المالية والمصالح المباشرة، بدءا من حصتها في الدولارات الإيرانية، وانتهاءً بحصتها من تجارة الأنفاق، ليس وارداً أن تسمح بأي تغيير على مصالحها الضيقة المليشياوية مهما كانت الأسباب، وقد جرّبت بعض القيادات التي حاولت أن تخرج عن الخط قليلا رداً «مزلزلاً» على الطريقة «الحمساوية الربانية»، ثم إن مسائل الصراعات الداخلية والتنافس على مستوى القيادة في «حماس»، سواء بين خاد مشعل من جهة، وبين موسى أبو مرزوق من جهة أخرى فيما يعرف بقيادة الخارج، أو التنافس بين هنية والزهار وصيام ، وأتباعهما في التعبيرات المليشياوية الجعبري والضيف، فيما يعرف بقيادة غزة، أو حتى تلك الموجودة بخفوت سري في الضفة الفلسطينية، بين من يرى ضرورة العودة إلى الشرعية الفلسطينية، والتنافس من خلال القائم سياسيا، وليس من خلال البديل الذي تحمّس له قيادتا غزة والخارج، كل ذلك يلقي ظلالاً من المرجاحية الأكيدة، بأن «حماس» لن تذهب إلى تفجير صراعاتها لمناورة جديدة، حتى لو كانت على شكل محاصصة فصائلية مع «فتح» تحديداً، رغم أنها طالما تشدّقت برغبتها في حوار شامل، وعندما تأتي ساعة الحقيقة تدير الظهر لفصائل منظمة التحريركما اشتكت الأخيرة غير مرة من هذا الأسلوب «الحمساوي» الذي بات مشهوراً في تعاطيها الفصائلي، وهي عندما تريد استخدام هذه الفصائل لسبب ما – على النحو الذي تظنه هي في موضوعة الاستخدام- تلجأ إلى المداعبة السمجة، فمثلاً هي وضعت من خلال أدواتها الإعلامية المليشياوية وتحديداً فضائية أقصى، خبراً عاجلاً قبل ليلتين من موعد الحوار الوطني يفيد باجتماع فصائل فلسطينية في دمشق لتدارس مقاطعة الحوار، بعد أن كانت أعلنت أنها ستقاطع هذا الحوار ومهّدت لهذا الوضع عبر عدة تصريحات مليشياوية، وعندما تصطدم مع هذه الفصائل يلجأ ذات الإعلام إلى الاستهانة بهذه الفصائل وتصويرها أنها فصائل ميكوسكوبية، وذلك في ممارسة مكشوفة ومتكررة، الأمر الذي يشير إلى نوعية الثقافة الفصائلية الإقصائية والإنعزالية التي تحملها هذه الجهة في تفكيرها السياسي.
أما الأهم في دواعي مناورات «حماس»، فهي مراهنة هذه الأخيرة على تعديل في الوضع الدولي سيما مع حضور الماء وبطل التيمم، فذهاب الإدارة الأمريكية التي حاولت «حماس» بكل طريقة أن تجد لها منفذا إليها، واحتفت برسالة كونداليزا رايس أيما احتفاء، هذه الأيام مع انتخاب الديموقراطي أوباما هي على موعد غرامي مميز، خاصة وأن الحزب الديموقراطي تاريخيا هو صاحب منظومة استخدام الإسلام السياسي كورقة في المنطقة العربية والإسلامية، وهنالك على مسافة بضعة أشهر الاحتفالات التي شهدناها على خلفية الاجتماع مع الرئيس الأمريكي الأسبق حيمي كارتر.
تصريحات خالد مشعل الأخيرة في معرض تهنئته الرئيس المنتخب أوباما، والتي يلح فيها على الرئيس الجديد أن يفتح حواراً مع «حماس»، لا تشذ عن هذا العامل بل هي تعتير أوضح وأجلى تعبير عنه، وهو الأخير في جملة ما سيلحق به في القريب العاجل، والرهان القائم على إيجاد دور لـ«حماس» من خلال الترتيبات التي تتوقعها في الحوار الأمريكي – الإيراني المرتقب، وعندما تكون «حماس» قد سبق وأن أعلنت عن استعدادها لهدنة المئة عام، وأثبتت قدرتها على لجم أي مقاومة تذكر حتى والعدوان «الإسرائيلي» على غزة كان يوميا، وقبولها بمبدأ الدولة ذات الحدود المؤقتة ولو كانت في قطاع غزة، واسقاطها بقية ملفات القدس واللاجئين وترحيلها إلى المستقبل البعيد، فإن «حماس» التي يرى البعض أنها في حكاية الدور والورقة الإيرانية هي مخلب قط للمناوشة، ستكون في حقيقة الأمر أقرب إلى استخدام وظيفي آخر كوسيط سلام بين كل من إيران و«إسرائيل»، وبالعكس تماماً من أية أدوار كان حزب الله اللبناني سيشكلها في حقيقة المواجهة، فإن «حماس» ستغدو النظير الملطّف في المقلب الآخر.
مشعل الذي زار لبنان ليس كقائد لفصيل فلسطيني، بل حرص على أن تكون زيارته أقرب إلى صورة التمثيل الفلسطيني الذي لمنظمة التحرير الفلسطينية أو للرئاسة الفلسطينية، يتحرك منذ فترة على قاعدة انتهاز الفرصة لتثبيت البديل لمنظمة التحرير عبر نقلتين، الأولى تستفيد من مسألة انقضاء الفترة الرئاسية في يناير المقبل وتولية بحر بالوكالة التي يؤاهن على أنها ستمتد حتى أجل غير منظور لحين إكمال النقلة الثانية، عبر مسألة الاستيلاء على منظمة التحرير ولو عن طريق فرض المحاصصة بالمناصفة تدريجيا في تفضيل ثان ٍ يشكل ما يعرف بالخطة «ب»، أو عن طريق اللجوء إلى إعلان البديل وتحقيق ائتلاف مع عدد من الفصائل المنضوية تحت القرارين السوري أو الإيراني، وهو بهذا يصرّ من خلال اشتراطات «حماس» الإجرائية الأخيرة على حوار القاهرة الذي أعلن«تأجيله»، لصورة تدعم الخيار الثاني المناور «ب»، وهكذا تصبح المتواليات القادمة مجرّد تحصيل حاصل، ولو كانت هذه جميعاً تهدف إلى حرص حقيقي على القضية الفلسطينية، وليس التوطئة لتقديمها ورقة على مذبح الخيارات والبورصات الدولية والإقليمية، لأمكن في الواقع التفكير في الدعوة إلى مزيد من إطالة النفس وبذل الجهود، ولكن الواقع أن هذه جميعا إنما هي في مزالق قنص القضية الفلسطينية، وقتل ما تبقى من أوراق حياتها ودفن مسارها الوطني في مسار دولي تجريبي على حساب شعب فلسطين وأرضه.
إن الصورة السوداء القادمة قريبا لا يمكن معالجتها من خلال الأماني، ولا مزيد من المراهنات على وطنية ما في تنظيم «حماس»، ولكن يمكن علاجها من خلال خطوات حقيقية بترتيب الأولويات الوطنية الفلسطينية، أولاً على صعيد حركة «فتح»، عن طريق عقد مؤتمرها العام أمس وليس اليوم، مع الحرص على الخروج منه ببرنامج كفاحي وطني كامل يصلح للاعتماد عليه في الخطوة الثانية، حيث وثانياً التوجه عن طريق ائتلاف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بتجديد الدورة الدموية وعقد المجلس الوطني القادم بمن حضر، وتبني برنامج وطني فلسطيني يستطيع أن يسد كل الثغرات التي استخدمت أو قد تستخدم في النيل من القضية الفلسطينية والكفاح الفلسطيني، وثالثاً بحوار عربي- عربي تجريه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، لتقف فيه على جواب لأهم الأسئلة الراهنة، كيف تحمي القضية الفلسطينية وشرعية تمثيلها من المناورات الحزبية الدولية، وتثبّت مسألة تمثيل شعبها، وتعيد رسم الخطوط الحمراء في مسألة مصير هذه القضية؟