عام وأسابيع تهدئة
أ.صلاح حسن الوالي
عام وأسابيع تهدئة في غزة لم يجني فيها المواطن الغزي أي من الثمار بل على العكس زاد الطين بلة بوقف مقاومة مقابل دخول حذاء، قبل الخوض في بحر هذا المقال أود أن أعرض عليكم قصة ظريفة تعبر عن حالة الضيق التي نعيشها في قطاع غزة ،بعد تفرد حماس بزمام الحكم في غزة.
القصة تقول أن رجلا خرج من بيته متأففاً متضايقا من عدد أسرته الكبير في بيته الضيق الصغير، متجها إلى أحد الحاخامات (رجال الدين اليهود) يشكو له ضيق بيته وكبر عدد أسرته وضيق حاله، فقال له الحاخام:" ضع معك في البيت بقرة" فامتعض وجه الرجل وظن أن الحاخام يستهزئ به ، وعندما تأكد أن الكلام جد ، قال :" كيف أضع بقرة معي في البيت وأنا أشكو لك ضيق بيتي" فقال الحاخام:" أفعل ما أمرك وارجع إلي بعد شهر". ذهب الرجل إلى بيته ونفذ ما أمر به الحاخام.
رجع الرجل إلى الحاخام بعد شهر يشكو ازدياد ضيقه ، فقال الحاخام :" ضع معك بالإضافة للبقرة مجموعة الحيوانات الأليفة لديك وارجع إلي بعد شهر" نفذ الرجل ذلك وعاد إليه يشكو ازدياد ضيقه ضيق ، فقال له الحاخام ضع معك بالإضافة إلى ما سبق مجموعة الطيور التي لديك وارجع إلي بعد شهر" عاد الرجل بعد شهر وقد نفذ كل ما أمر به الحاخام . وقد وصل به الحال من الضيق إلى حد الجنون.
فقال له الحاخام :" ارفع الطيور من البيت وارجع بعد شهر" وبعد شهر قال له ارفع الحيوانات وهكذا حتى رفع كل ما أمره بوضعه ، وكان الحاخام في كل مرة يرفع بها شيء يسأله عن حاله فيقول الرجل أن حاله أصبح أفضل من ذي قبل وهكذا إلى أن وصل للبقرة فرفعها و الرجل يقول أن حاله فوق ريح ، ولم يعد يشكو ضيق بيته.
الخلاصة من هذه القصة أن الحاخام لم يقدم للرجل أي حل ملموس والرجل لم يتغير حاله فلم يقل عدد الأولاد ولم يتسع البيت، إلا أنه شعر بارتياح وسرور.
وهذا بالضبط هو حال المواطن الغزي مع حركة حماس ، مثل حال هذا الرجل قبل وبعد أن ذهب للحاخام ، حالنا بقى على ما عليه قبل وما بعد عام من تفرد حماس في حكم القطاع ، وأسابيع التهدئة.
فقد كانت المعابر قبل حكم حماس مفتوحة والبضاعة تدخل وتروح ، والمقاومة مستمرة ،والناس رغم ذلك يشكون حالهم ويريدون سقف أمال أفضل لكن بعد أن انقلبت حماس على السلطة في غزة كانت بذلك كالرجل الذي أدخل البقرة إلى البيت فزاد حاله ضيقا ، وأغلقت المعابر فزاد الحال ضيقا أكبر، وهكذا حتى دخلت بقية حيوانات وطيور ، مع تتالي المصائب على رأس قطاع غزة من حصار وتجويع وعدم سفر مرضى وانعدام أدنى مقومات الحياة، وأصبح همنا متى تدخل البضائع عبر معبر كارني ،مثل صاحب قصتنا الذي أصبح همه كيف يتخلص مما عنده في البيت ،باختصار لم يعد سقف أمالنا يتعدى المعبر، فحدودنا كيس الطحين ، والقدس كيس الاسمنت والعودة عودة الوقود إلى محطات غزة.
وبعد ذلك تطل حماس علينا بالحل السحري ،المخلص لنا من كل هذا الضيق الذي نعيش ،فأوقفت المقاومة بهدنة لم تجني فيها المقاومة أي ثمرة وأصبح من يطلق أي صاروخا ، خائن أو تاجر أو عميل يخدم المصالح الإسرائيلية ،فماذا جنت المقاومة في غزة بالتهدئة؟ هل تحرر شبرا واحد من فلسطين ؟ هل أطلقنا واحدة من أسيراتنا في السجون الإسرائيلية ؟ بل على العكس أصبح المحتل يجني ثمار التهدئة في غزة بالمجان كما صرح أحد قادة الجهاد الإسلامي ونحن ،نقف عاجزين أمام أخذ أي ثمرة.
وما أدخلته إسرائيل من بضاعة عبر معبر شبه مفتوح مقابل وقف المقاومة لم يصل إلى الحد الأدنى من مطالب الشعب بل على العكس كان ذلك أمر روتيني لا يرتقي ليكون على سلم المطالب الفلسطينية أو أجندته بل كانت مطالبهم في ثوابتهم "القدس ،العودة ،إزالة المستوطنات...الخ" ، والأدهى والأمر أن حماس تحاول جاهدة أن تمرر عبر الإذاعات والفضائيات أن ذلك قمة الانجاز.
لا...لا يا حماس ...
إن ما تنادي به انجازا بصوت مرتفع ، عبر مكبرات الصوت وخطب الجمعة ،لم يكن انجازاً بالمعنى الحقيقي وما كان من فتح لمعابر القطاع إلا مصلحة إسرائيلية بحتة لدخول البضائع والمنتجات المصنوعة إسرائيليا ، ولجني نقود الشيكل من أسواق غزة والتي ضختها السلطة من قبل لقطاع غزة عن طريق رواتب الموظفين.
إن كل ما يحدث اليوم على الساحة الغزية تضيع لمجهود سابق قد حققناه بالمقاومة والمفاوضات معا وذلك أيضا تضيع لوقت الشعب وعلى حساب قضيته ومقاومته ، فضاعت القضية الفلسطينية وضاع معها الشعب.
يا حماس ... بعد مرور عام على تفردك بحكم غزة ، لم يجني المواطن الغزي أي ثمار وما جناه كان مجرد فتات لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإلى أين نحن نتجه يا حماس ؟؟ أسألك بحكم الأمر الواقع الذي نعيشه تحت سيطرتك، إلى أين؟؟ إلى أين؟؟.